وأعلن عن ذلك، المخرج والكاتب المسرحي، والأستاذ الجامعي والمدير السابق لمركز الفنون المسرحية في إیران "كاظم نظري" في حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا).
وأوضح قائلاً: "تُعتبر شخصية النبي (ص) من أبرز الشخصيات في تاريخ البشرية، فبالرغم من مرور قرون عديدة على رسالته وبعثته، لا تزال أفكاره وسلوكه الاجتماعية والإدارية قادرة على التأثير في حياة الناس اليوم".
وقال كاظم نظري: "عندما نتحدث عن
الرسول الأعظم (ص)، فإننا نتحدث عن شخصية ظهرت في حقبة تاريخية محددة، لكن تأثير أفكاره وسلوكياته لم يقتصر على ذلك الزمن، بل امتد ليؤثر في جزء كبير من تاريخ الحضارة الإنسانية. لقد أثمرت رؤية النبي(ص) للإنسان والمجتمع والعدل والأخلاق والحكم والعلاقات الاجتماعية، بل وحتى كيفية التعامل مع الخصوم، مجموعة من التعاليم التي لا تزال قابلة للنقاش والدراسة من زوايا جديدة. ولذلك، فإن
سيرة النبي (ص) ليست مجرد موضوع تاريخي يُعاد قراءته، بل هي مصدر ثري لفهم الإنسان وعلاقاته".
وأضاف المدير السابق لمركز الفنون المسرحية في إیران: "من جهة أخرى، تزخر حياته بمواقف ذات دلالات درامية عميقة؛ بدءًا من طفولته والظروف الاجتماعية في الجاهلية، مرورًا بالبعثة ومواجهة الخصوم، وصولًا إلى تكوين المجتمع الإسلامي وإدارة الأزمات والحروب والعلاقات الاجتماعية والتعامل مع مختلف شرائح المجتمع. كل موقف من هذه المواقف، إذا ما دُرِسَ بعناية ودراسة متأنية ومن منظور فني، يُمكن أن يُصبح سردًا دراميًا مؤثرًا".
وأكد كاظم نظري: "للوصول إلى صورة صحيحة عن النبي (ص)، لا بد من دراسته في جميع مراحل حياته، إذ لايُمكن عزل فترة تاريخية واحدة والحكم على شخصية النبي (ص) بأكملها بناءً عليها. حتى التعرف على الشخصيات المحيطة بالنبي(ص) أمرٌ بالغ الأهمية، إذ لا تتشكل أي شخصية عظيمة في فراغ، ويمكن للعلاقات الإنسانية أن تُشكل جزءًا هامًا من بناء الشخصية".
وقال هذا الكاتب المسرحي: للسينما والمسرح قدرة كبيرة على التعريف بالشخصيات التاريخية والدينية، وتتضاعف هذه القدرة حول الرسول (ص)، لأن حياته مليئة بالمواقف الإنسانية والاجتماعية. يعدّ فيلم "محمد رسول الله" للمخرج الایرانی مجید مجيدي تجربة مهمة في السينما الإيرانية ولا يمكن تجاهل الجهود المبذولة لإخراج مثل هذا العمل. في هذا الفيلم، لا تظهر شخصية النبي (ص) مباشرة في الإطار، ولكن يمكن الشعور بحضوره وتأثيره من بداية الفيلم إلى نهايته، وتبين هذه المسألة أنه ليس من الضروري دائمًا استخدام الحضور المباشر لرواية الشخصيات المقدسة.
وقال كاظم نظري إن "عالم اليوم يحتاج إلى رسالة الرحمة والعدل والسلام والتعايش أكثر من أي وقت مضى، وهذه بالضبط إحدى القدرات المهمة في حياة النبي(ص). يحتاج الإنسان اليوم إلى السلام والأمن والحب والعدالة، مهما كانت الجغرافيا والثقافة والدين الذي يعيش فيه. فإذا تمكنا من سرد هذه الخصائص الإنسانية بشكل صحيح في الأعمال المسرحية، فلن يشعر الجمهور بعد الآن بأنه يتعامل مع عمل مجرد دعاية أو يقتصر على جماعة دينية، بل سيواجه قصة إنسانية يمكن أن يرتبط بها. وقد دعا النبي(ص) في كثير من سلوكياته الناس إلى الرفق والأخلاق والطهارة والعدل والتفكير والمسؤولية. وهي مفاهيم لا تعرف الحدود الجغرافية والثقافية. يمكن لأي شخص في إيران أو أفريقيا أو إندونيسيا أو أوروبا أو أي جزء آخر من العالم أن يرتبط بمفهوم العدالة واللطف. ولذلك يمكن للفن أن ينقل هذه المفاهيم من خلال المواقف الدرامية وسلوك الشخصيات دون ترديد".
وأكد أنه "ينبغي أن نقدم النبي(ص) كرسول الرحمة للعالم، ولا ينبغي أن يكون هذا التقديم في الخطب والبرامج الرسمية فحسب، بل يجب أن يكون حاضراً في السينما والمسرح والرسوم المتحركة والأدب وغيرها من الفنون. فعندما يرى الجمهور سلوك النبي(ص) في موقف صعب ويدرك أنه لا ينسى الأخلاق والكرامة الإنسانية حتى في مواجهة المعارضين، فإن تلك الرسالة تصل بشكل أعمق بكثير من مجرد خطاب. ويمكن للفن أن يبين أن لطف النبي(ص) لم يكن يعني الضعف، بل كان لطفه مصحوباً بالوعي والعقلانية وسعة الحيلة والشجاعة. هذه النقطة مهمة جدًا، لأن الناس اليوم يجب أن يعرفوا أنه يمكن وضع الرحمة والعدالة بجانب السلطة والإدارة. وإذا تشكلت هذه النظرة في الأعمال الدرامية، فيمكننا تقديم صورة إنسانية وقوية في نفس الوقت للنبي(ص) تكون مفهومة للجمهور العالمي وتوفر سياقًا للحوار بين الثقافات والأديان المختلفة".
وصرّح أنه "لقد حاول النبي (ص) طوال حياته أن يدعو الناس إلى الوئام والصداقة والأخلاق والعيش المشترك، ويمكن أن تكون هذه السمة من أهم أسس الدبلوماسية الثقافية اليوم. في العالم الإسلامي، لدينا اتجاهات مختلفة، ولكن كل هذه الاتجاهات تشير إلى شخصية النبي (ص) وحياته، ويمكن أن تكون هذه الشخصية من النقاط المشتركة بين المسلمين. إذا تمكن الفن من سرد هذه النقاط المشتركة بدلا من تسليط الضوء على الاختلافات، فإنه يمكن أن يوفر أساسا لتقريب الثقافات من بعضها البعض. وهذه القضية مهمة حتى في العلاقة بين المسلمين وأتباع الديانات الأخرى. لقد كان للنبي (ص) في تعامله مع أتباع الديانات الأخرى منهج يقوم على الحوار والأخلاق، وهذا النهج يمكن اعتباره في ظروف اليوم. نظرًا لطبيعته العالمية، يمكن للفن أن ينقل مثل هذه المفاهيم إلى الجمهور دون خلق صراع. عندما يتحدث عمل فني عن احترام الإنسان والعدالة واللطف وتجنب القسوة، يواجه الجمهور قضية إنسانية قبل الاهتمام بالاختلافات الدينية".
وفي معرض حديثه عن دور الجامعات ومراكز الأبحاث في فهم شخصية الرسول (ص) وتدريب الفنانين الذين يستطيعون تقديم هذه الشخصية بشكل صحيح وعميق في الأعمال الفنية، قال الدكتور نظري إنه "ينبغي للجامعات أن تبتعد عن دراسة شخصية النبي(ص) باعتبارها قضية تاريخية بحتة، وأن تهتم بها باعتبارها قضية متعددة التخصصات بحيث يمكننا إنشاء كراسي متخصصة في دراسة النبي(ص) في الجامعات، وبالإضافة إلى ذلك تكون هناك لقاءات وندوات وأبحاث مشتركة بين طلاب التاريخ والعلوم الدينية والسينما والمسرح والأدب والفنون البصرية وغيرها من المجالات. إذا كان لدى الطالب الذي يدرس السينما إمكانية الوصول إلى المصادر التاريخية والأبحاث التفصيلية عن النبي (ص)، فيمكنه استخدامها لكتابة السيناريو. كما يستطيع طالب المسرح تحويل هذه المصادر إلى مسرحية، كما يستطيع طالب الأدب استخدامها في القصص والروايات. المشكلة هي أن هذا الارتباط بين البحث والإنتاج الفني لم يتشكل بعد بشكل كافٍ".
واختتم حديثه قائلاً: "إن أهم رسالة للنبي(ص) هي الرحمة والسلام والعدل والصداقة والأخلاق واحترام الإنسانية. لقد دعا البشرية إلى التفكير والوعي والنظافة والنظام والوحدة والعيش باستقامة، ولا تزال هذه المفاهيم نبراسًا يُهتدى به للإنسانية المعاصرة. يحتاج الإنسان إلى العدل والسلام أينما حلّ في العالم، ولا يوجد إنسان بطبيعته يتجنب الرحمة والاحترام. إذا استطاع الفن أن يُجسد هذه الصفات بدقة، فإنه قادر على جمع جماهير من مختلف الثقافات والأديان. حتى العديد من المواقف في حياة النبي(ص) التي قد تبدو تاريخية للوهلة الأولى، يُمكن تحويلها إلى قضايا إنسانية بحتة إذا ما تم تناولها بشكل صحيح. إن معاملة النبي(ص) للأسرى والخصوم وأهله وأصحابه ومجتمعه، كلها جوانب يُمكن تحويلها إلى مواقف مؤثرة في عمل درامي".