
كتب الأكاديمي اللبناني "الدكتور فرح موسى" في جواب منَ سأله،هل لكم أن تلخصوا لنا حقيقة موقفكم في ما ذهبتم إليه في كتابكم عن القضاء لبني إسرائيل وإفسادهم في الأرض؟وكيف يمكن لنا الجزم بإحكام الموقف في ظل ما جمعه الإخوة من آراء ومواقف لكبار المفسرين تخالف ما ذهبتم إليه في كتابكم؟
سبق لي أن توجهت برسالة إلى عمادة كليتكم ولعلها لم تصل إليكم، وأضيف لما ذكرته فيها الآتي: إن قراءة متأنية في ما عرضت له سورة الإسراء حول إفساد بني إسرائيل-مرتين-لا بد أن يكشف عن حقائق ودلالات تتعلق بحاضر الأمة ومستقبلها،لكون الآيات نزلت في الطريق بين مكة المكرمة والمدينة المنورة،وهي من موقع مكيتها تستشرف الأحداث في فضاء نزولها،ويكفي أن نتدبر في الجانب اللغوي والبياني لأداة الشرط إذا وفعل الماضي،لنعرف معنى المستقبل في أحداثها وليس الماضي!
فالآيات القرآنية تخاطب الأمة وتصدر وجودها وحياتها بالإسراء من المسجد الحرام إلى
المسجد الأقصى، وقد جاء القضاء بما هو إعلام
لبني إسرائيل ليؤكد على مركزية المسجد المعهود للمسلمين وليس لبني إسرائيل، ولا عجب أن يكون القضاء قديماً لهم في الكتاب.
إقرأ أيضاً:
وكما نلاحظ أن الوعد الأول لم يأت على ذكر المسجد إطلاقاً، فبان من سياق الآيات أن الوعد الأول يستبطن دخول المسجد ولعله كان من لواحق البعث الأول للعباد المؤمنين نظراً لما جرى من صراعات مع بني إسرائيل في المدينة وخيبر، إذ كان من نتائجها الفتح المبين ودخول
المسجد الحرام صلحاً وليس عنوة كما زعم بعض المفسرين.
فالجوس لم يكن للمسجد،لأن العباد المبعوثين لا يجوسون المساجد،وقد عرفتم معنى البعث،وأنه لا يكون إلا فعلاً إلهياً،ولم يغرب عن بالكم أبداً أنه من أسماء الله الباعث،ومؤدى هذا كله أن البعث لا يكون إلا للعباد المؤمنين.
لقد جاء وعد الآخرة ليبين ما سكت عنه في الوعد الأول،حيث جعل من المسجد مركزاً لتتبير الذين كفروا من بني إسرائيل،وهذا ما يدفع إلى التماهي مع الحدث من موقع الإيمان والجهاد بدل أن نستغرق أنفسنا وعقولنا في مباحث المعراج والحديث عن أهل السماء في الوقت الذي تريد السورة المباركة منا أن نفهم الإسراء في الأرض،فهي تدعونا الى إسراء حقيقي بالإيمان والعبودية في الأرض لمكانة قوله تعالى: "أسرى بعبده.."
فإذا كان لا بد من حديث المعراج فلتسرِ هذه الأمة أولاً وقبل كل شيء بين مساجد ربها ليكون لها معنى العبودية في ما تنشده لنفسها من علم وعمل وجهاد!؟فالإسراء مسبوق بالتسبيح، وملحوق بالبركات، ومختوم برؤية الآيات؛فما معنى أن تترك الأمة التسبيح والبركات لتعطي دروساً في السماء، متجاهلة صلاة نبيها(ص) بالأنبياء على أرض قدسها، وملتوية على هداها في ما ارتضاه لها ربها من قبلة في الوجود ومبدأ في الإسراء!
لقد مهدت الآيات لوعد الآخرة،بقوله تعالى:"ثم رددنا لكم الكرة عليهم."حيث جاء الكلام بالتراخي في الزمن والإمداد والنفير،مايدلل على أن كرة هؤلاء في وعد الآخرة ليست كالمرة الأولى لجهة القوة والعدد والعتاد،إضافة الى تظهير حقيقة المسجد وجعله متوسطاً للأحداث.
فإذا كان الإسراء قد تم ليجمع الله أهل الإيمان على خطى الأنبياء،فإن فيه أيضاً ما يرشد الى سر انبعاث الأمة بهدي الإسلام لتكون خير أمة أخرجت للناس،لما بينته الآيات من أن بركات الأرض والسماء،وبعث النقباء،فضلاً عن الهداية للعالمين،كل ذلك كان وسيبقى المسجد الحرام مبدأه ومنتهاه،كما قال تعالى:"إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ:" وهو لا يكون كذلك إلا بأهله الذين هم أولياؤه كما قال تعالى :"إن أولياؤه إلا المتقون."
وهذا هو معنى دعاء النبي إبراهيم(ع) "ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم." والحق يقال: ليس هناك من معني لهذا الهوي سوى أن تنزعج الأمة الإسلامية عن مستقرها وتنجذب بقلبها وروحها وسر وجودها وقبلة دينها وموطن خلودها ومبدأ إسرائها ومعراجها ليكون لها معنى الخيرية في الأرض والسماء..!؟
لا شك في أن أقصر الطرق إلى السماء هو طريق المسجد الحرام المسجد الأقصى،فهو طريق التسبيح، وعليه محفل البركات،فضلاً عن كونه سبيلاً لرؤية الآيات،ما يعني حتمية التحول في العلم والعمل والجهاد،ليكون الإسراء أرضاً وسماءً وجوداً وبقاءً ،وتسبيحاً وجهاداً،عبودية لله تعالى،فلا معنى لتقليب المسارات،وتجريد الإسراء من معناه ليكون تسبيحاً في الهواء وتحريفاً في الإنتماء والإيمان والجهاد!
وقد سبق لأمتنا الملتوية في زمن الوليد بن عبد الملك وعبدالله بن الزبير أن اختلفت في حجِّها،وتاهت عن إسراء نبيها فحج المرواني الى القدس وحج الزبيري الى الكعبة!فكان الحج هوياً الى السلطان،والإسراء تصارماً بين الأرض والسماء،وقتلاً في فناء المقدسات،ولا زلنا نرث اختلاف الأهواء وغربة المساجد عن أهلها،ما أدى الى تحول كل شيء عن أصله ليفوز العدو بصلفه وطغيانه،يقتل أهل الأرض،ويدنس المقدسات!؟
نعم،كانت الأمة ولا تزال هي المحور والمرتكز،ولا يزال بنو إسرائيل يفسدون في الأرض لا بما هم عرق وأبناء وأحفاد وحسب،بل بما هم منهج ورؤية ونفير ملتبس في دينه ودنياه! فمنهم من ينتمي بالعرق، ومنهم من ينتمي بالولاء،وكل معاهدات ما يسمى بالسلام والتطبيع،هو في الحقيقة انتماء بالولاء لبني إسرائيل،سواءكان من عرب وأعراب أو من غيرهم،كما قال تعالى: "ومن يتولهم منكم فإنه منهم..."
ختاماً نقول :إن سورة الإسراء تكشف عن هذه الحقائق لخصوصية في النحو والبيان والسياق، وترشد الى أن أهل القرآن هم المبعوثون على بني إسرائيل.وهنا نسأل: هل يتصور أحد أن لا يكون المسجد الحرام شريكاً في التحولات العالمية،وفي تحرير القدس؟ إن القبلة التي ارتضاها الله تعالى لرسوله وللمؤمنين وجعلها هدى للعالمين تأبى تبديل المسارات،وتهتف بتواصل البركات ورؤية الآيات مجدداً.
وليس على الأمة إلا أن تسعى جاهدة ليكون لها امتداد الإسراء على خطى رسولها بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى ،لأن ذلك كان وسيبقى شرط كل رؤية حقيقية لآيات الله ،سواء في الأرض أو في السماء!ولعل هذا هو السر الكامن وراء تواصل الآيات بعد وعدة الآخرة مع ذكر القرآن الكريم في سورة الإسراء لإظهار دلالة البعث لأهله على من جاءوا لفيفاً من كل أرض بعدما قطّعوا فيها أمماً لاحتلال فلسطين،وغير خفي عليكم أنه قد تحققت إساءة الوجه لهؤلاء.
كما قال تعالى:ليسوءوا وجوهكم.."ويبقى على عباد الله أن يسلكوا طريق الإسراء لتتبير هذا المشروع الشيطاني بكل لفيفه، وذلك إنما نذهب إليه انطلاقاً من رؤيتنا بأن المسجد الحرام هو الذي يتوسط الأحداث والتحولات، ويستوي على عالمية الأديان.
فهو الأول وجوداً والآخر بقاءً في ما انطوى عليه من بركات وهدى،ويكفي تدليلاً على هذا إجماع المسلمين قاطبة على أن البعث في وعد الآخرة إنما يكون من المسجد الحرام من بين الركن والمقام بنداء :أنا بقية الله،وهل بقي في العالم غير أن نسمع هذا النداء لتخرس أبواق الفتن وتستوي الدنيا على يوم الفتح،يوم لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم يُنظرون..".صدق الله العلي العظيم.والحمد لله رب العالمين.
بقلم أ. د. فرح موسى: رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان