
بقلم أ. د فرح موسى: رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان
لقد شهدت البشرية في تاريخها نماذج طغيانية كثيرة، وليس عالمنا اليوم بدعًا في ما يشهده من طغيان، بل هو امتداد طبيعي لما عهدته البشرية من استبداد واستكبار واستخفاف بإرادات الشعوب وخياراتها!
فإذا كانت أمريكا اليوم تؤدي وظيفتها الطغيانية وفق منظومتها الظلامية لفهم العالم وعلاقاته القائمة على المصالح، وليس على أساس الحقوق المشروعة للشعوب، فهذا كله إنما يمكن فهمه في سياق نشوء هذه الدولة، بوصفها دولة طغيانية في أصل نشأتها، وليس غريبًا على رئيسها تذكير العالم بمبدأ أو عقيدة "مونرو"، القاضية بأن تكون أمريكا اللاتينية مجالًا حيويًا لها، وما قامت به أمريكا في دولة ذات سيادة في فينزويلا، جاء في سياق رؤية استعمارية معهودة في العالم الغربي كله!
إن ما تبشّرنا به أمريكا اليوم من طغيان جديد في أمريكا الجنوبية والكاريبي بعد ما شهده الشرق الأوسط من عدوانيتها! كل ذلك مؤشر على أن هذا الطاغوت الأمريكي لم تعد له حدود في العالم برغم كل ما لحق به من خسارات استراتيجية في العراق وأفغانستان وإيران واليمن!
إقرأ أيضاً:
وها هو اليوم يعيد كرّته في فينزويلا، ظنًا منه أنه يمكن تلافي أزماته الداخلية بمزيد من الطغيان في العالم! ففي كل يوم توجد لرئيس الولايات المتحدة إطلالات طغيانية تهدّد وتتوعّد، حتى أن روسيا العظمى لم تنج من الوعيد الأمريكي، وقد لاحظنا كيف أنه جمع الرئيس الروسي إلى الرئيسين الكولمبي والكوبي،مهددًا ومتوعدًا، غير مكترث لأي دولة كبرى، أو عظمى في هذا العالم!
فلا بأس، طالما أن القوى العالمية الكبرى كلها تستمع إلى أهازيج القوة الأمريكية، وخصوصًا الصين وروسيا، فلا بأس أن تتحسّب هذه القوى لخطورة أن تقدم أمريكا على اختطاف أي رئيس من هذه الدول، وقد سمعنا للتو عن استهداف مقر إقامة الرئيس الروسي، وقبل ذلك تدمير القاذفات الاستراتيجية للدولة العظمى روسيا!
إن ما تبشّر به الأيام المقبلة من الصراع هو هذا، أن يخطف زعماء الدول الكبرى عن أسرّتهم ومن حصونهم النووية المنيعة! يا لها من سخرية، أن يكون الحق الصيني في تايوان موضع خوف وتدبّر صيني! وأن تكون موسكو وكورسك موضع اهتمام الناتو، وكأن هذه الدول لم تدرك بعد حقيقة ما يحيط بها من مخاطر! فتختار قمم التحالف مع الطغيان الأمريكي على أنقاض مصالحها!
فتايوان صينية وتبادر أمريكا إلى دعمها عسكريًا، بل إنها تجاوزت ذلك إلى حد أن تكون الزيارات والتحالفات بمنتهى الصلف الأمريكي! في حين تكتفي الصين العظمى باستعراض القوى، وإجراء المناورات في مضيق تايوان! نعم لم يعد السؤال المطروح اليوم عن جدوى التحالفات ورعاية المصالح بين الدول العظمى، بعد الذي جرى في فنزويلا، بل أصبح السؤال الذي يطرح بإلحاح متى يخطف ، أو يقتل الرئيس الصيني، أو الروسي، أو الإيراني، أو غير هؤلاء ممن ترى فيهم أمريكا أحجار عثرة في طريق مصالحها!
نعم، لقد علمتنا التجارب، والحروب، وكل التنافسات الحضارية في تاريخ البشرية، أن من يمالىء، أو يداهن الطغيان، سيكون فريسةً له، ولم يعد متاحًا لمن يملك القوة، إلا أن يدافع عن نفسه بإظهار مكامن القوة لديه، لأن التوازن الاستراتيجي كان وسيبقى من ضروراته، المبادرة إلى تعميق التحالفات، والدفاع عن سيادة الدول، وحماية الاتفاقيات المبرمة بين الدول، لا سيما تلك التي تسمى بالاستراتيجية!
فروسيا والصين يأكلان من خبز الدول، ويعلنان ضرورة الدفاع عن مصالح الشعوب، ثم نرى منهما خلاف ذلك، سواء مع إيران، أو مع فيزويلا، أو غيرها من الدول التي تركت لمصيرها أمام الطغيان الأمريكي! فعلى دول أمريكا الجنوبية، وكل الدول اللاتينية الاعتبار بما جرى لهذا الطغيان الأمريكي في مواجهة إيران واليمن، بعد أن استبد به الطغيان لدرجة أن يأتي بحاملات طائراته لفتح البحر الأحمر وباب المندب أمام الملاحة الصهيونية، ثم لا يكون له من ذلك سوى الخزي والعار والانسحاب على عجل من البحر الأحمر!
فالطغيان الأمريكي ليس قدرًا، وعلى الشعوب التي تنشد الحرية والاستقلال، أن تعد نفسها جيدًا للحيولة دون تمكن القوى الطغيانية من خيراتها ومصالحها. فإذا كانت فنزويلا اليوم، فقد تكون إيران، أو كوبا، أو كولمبيا غدًا، فأمريكا بكل تحالفاتها الطغيانية عازمة على ما تسميه بسلام القوة، سواء في أمريكا الجنوبية والكاريبي، أو في الشرق الأوسط، علّها بذلك تنقذ نفسها من أزماتها الداخلية وديونها المتراكمة، وليس من خيار أمامها إلا التدخل في شؤون الدول، وإسقاط الأنظمة، لترتيب العالم الجديد وفق رؤيتها الاستراتيجية بعيدًا عن خيارات الشعوب الحرة ومصالحها!
فلا ينبغي الرهان على تحالفات التكاذب الاستراتيجي، وليكن اليمن وفلسطين، ولبنان، وإيران ميزانًا تقاس به عوامل القوة في مواجهة الطغيان.فالصين وروسيا كل يوم يثبتان لمن يتحالف معهما، أنهما ليسا أهلًا لحسم خيارات المواجهة، أو لتثبيت المواقف في الصراع العالمي ضد الطغاة المستعمرين. والسلام.