
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبيورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ أَحْسَنَ الْمَلَكَةَ أَمِنَ الْهَلَكَةَ".
هي معادلة مهمة ذات صلة بالمُلك وإدارة الحُكم، فهي تربط بين حُسْنِ الإدارة وبين الأمان من الفشل والخسارة والفوضى والهلاك.
مفتاح فهم هذه المعادلة يكمن في فهم معنى كلمة (المَلَكَة) فهي مشتقة من الجذر (مَلَكَ) ولها في اللغة معانٍ دقيقة وفق ما جاء في معاجم اللغة العربية.
إقرأ أيضاً:
فتارةً يُرادُ بها الصِّفة الراسخة في النفس، تخلّقت بها النفسُ حتى صارت كأنها طبيعة ثانية. مثل "مَلَكة الصدق" أو "مَلَكَة الجود" أو "مَلَكة الخطابة" أي القدرة التي تأتي بسهولة ويُسر نتيجة التعود والتمكن.
وتارةً أخرى، يُراد بها التَّمَلُّك والحُكم، بمعنى ما يملكه الإنسان، أو من يقعون تحت سلطته وإدارته، كالخدم، أو الأتباع، أو الرعية. يُقالُ: فلانٌ حَسَنُ المَلَكة. إذا كان حَسَنُ الصُّنْع إلى مَماليكه. ورُوِيَ في الحديث: لا يدخل الجنةَ سَيّءُ المَلَكَةِ. أي سيّء الإدارة والحكم والتعامل مع المحكومين له.
أمّا في سياق كلام الإمام (ع) فالمراد من "حُسن المَلَكة" أمران متكاملان:
الأول: حُسن التعامل مع الرعية أو الأتباع: أي أن يُحسِنَ الإنسان إدارة من هُم تحت يده سواء كان مديراً، أو أباً، أو حاكماً، أو صاحب عمل، فالمَلَكَة هنا هي الولاية والقدرة على التصرُّف في شؤون الآخرين.
الثاني: حُسن مَلَكة النفس: وهو المعنى الأعمق، أي أن يملك الإنسان زمام نفسه، فتكون له "مَلَكة" في ضبط نزواته وغضبه، فلا يقوده التمَلُّك والسلطة إلى الطغيان.
فمَنْ حَسُنَ تعامله مع من يملك أمرهم، وحَسُنَ انضباطه في ممارسة سلطته، فقد "أحسن المَلَكة".
وبهذا تتضح لنا المعادلة، وسِرّ الربط بين إحسان الملكة، أي حُسن التصرف والإدارة والحكم والولاية، وبين الأمان من الهلاك، ومما لا شك فيه أن من يُحسِن تصرفه مع رعيته أو بنيه أو العاملين تحت إدارته ويعدل فيهم، يزرع في قلوبهم المحبة والولاء، بدلا من الحِقد والغِلّ، مما يجعله في أمن من غدرهم أو خيانتهم، أو عصيانهم، أو تسببهم بالفوضى. ناهيك عن أن العدل معهم، وحسُن إدارتهم، يجلب له ولإدارته البركة والتسديد الرباني، لأن الله يسدِّد الذي يُحسِن إلى من تحت سلطته، ويعدل فيهم. وبهذا يتجنَّب العواقب الوخيمة والهَلَكة.
نستنتج مما تقدَّم أن سوء الإدارة والحكم والمعاملة أو حسب تعبير رسول الله (ص): "سُوءُ التَّدبِيْر" سبب رئيسي من أسباب سقوط الحكم، أو حدوث الفوضى الإدارية، أو الفشل في العلاقة الأسرية. مما يعني أن المشكلة ليست دائمًا في النظام السياسي، أو في القانون، بل في كيفية إدارة النظام، أو تطبيق القانون. فحتى لو كان النظام السياسي صالحًا جدًا، كما لو كان نظامًا سياسيًا إسلاميًا وكان القادة صالحون، ولكنهم لا يُحسنون إدارته (لا يحسنون المَلَكة) فلا بد أن يفشل. فأكثر نهايات الدول كانت وما زالت نتيجة سوء التدبير.