
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
إذا كنت تراهن على فاقد الشيء أن يعطيَك إياه، فراهن على أن ينصحك الذي يغش نفسه، فأنت في كليهما تراهن على وهم وسراب، إن الذي لا تسلم نفسُه منه، فكيف ستسلم أنت منه؟، وبعيدًا عن حُسنِ نيَّته أو سوئها فإنه فاقِدُ القُدرةِ على النُّصح، ليس لديه ما يقدمه لك في هذا المجال.
تلك هي الحقيقة التي يقررها الإمام أمير المؤمنين (ع) في جوهرته الكريمة، ومعها سنجيب على أسئلة مهمة: ما الغش؟، ولماذا يلجأ الإنسان إلى الغِشّ، وهل يُعقَل أن يغش الإنسان نفسه، وكيف يتمظهر غِشُّه لها؟ ونجيب عليها جميعًا وفق ما تقتضيه المقالة من اختصار.
الغِشّ هو: إظهار الشيء على غير حقيقته، وإدخال ما ليس منه فيه، مع إرادة الإضرار أو تحقيق مصلحة موهومة، ففيه تزييف للواقع، وإيهامُ المغشوشِ أن ما يُقدَّم له خالصٌ صافٍ، صالح لا عيب فيه.
وغالبًا ما يُفهم الغش في بعده الخارجي: غشّ في البيع، أو في النصيحة، أو في الموقف، لكن الإمام أمير المؤمنين (ع) ينقل المفهوم نقلة أعمق وأبعد غَورًا، فيضع النفس موضوعًا للغِشِّ، لا الآخر، وهذا انتقال من الخلق مع الغير إلى الخلق مع النفس.
ويلجأ الإنسان إلى الغِشِّ لأسباب عديدة، سوء في أخلاقه، وموت نفسه اللوامة، طمع بالمزيد من الربح، أو شعور بالعجز والنقص وانعدام الكفاءة، فيلجأ إلى الغش تعويضا عن ذلك، أو خوف من الخسارة والفشل، وغياب الرادع والمحاسبة، وعدم الخوف من الله تعالى، وانعدام التقوى، والتأثر بالبيئة الاجتماعية التي تبرر الغِش وتعتبر حذاقة وذكاء، أو سِوى ذلك من الأسباب، لكن السبب الأهم، بل المنشأ لكل هاتيك الأسباب غِشُّ النفس، ذلك أن غِشَّ الآخرين امتداد لغشِّ النفس، فمن اعتاد أن يبرر أخطاءه وانحرافاته، وظلمه يسهل عليه أن يغش الآخرين، ولهذا يمكننا الجزم بأن الغش سلوك يبدأ من النفس ويتدرَّج حتى يصل إلى الآخرين.
وإذا كان مفهوما أن يغش الإنسان الآخرين للأسباب آنفة الذكر، فلماذا يغش نفسه، وهو عليها بصير وبها عارف ولمصلحتها مريد؟
الحقيقة أنَّ غِشَّ النفس من أوسع أنواع الغِشِّ انتشاراً، بل يمكننا القول: ما من شخص –سوى المعصومين- إلا ويغش، أو قد غشَّ نفسه يومًا ما، فكل من يتّبع هوى من أهوائه مع مخالفته لحكم العقل والشرع، فهو غاشٌّ لنفسه، وكل من يُبرَّر خطأ يصدر منه بدل تصحيحه فهو غاشٌّ لها، وكل من يغفل أو يتغافل عن عيوبه أو يتقبّلها، فهو غاشٌّ لنفسه، وكل من لا يحاسب نفسه ويترك لهواه استعبادها، فهو غاشٌ لها، وكل من يقارن نفسه بمن هو أسوأ منه لا بمن هو أفضل منه ليقنع نفسه أنه على خير فهو غاشٌ لنفسه، وكل من تفوته فرصة مع قدرته على اقتناصها، فهو غاشٌ لنفسه.
بلى، إن الإنسان ليغشُّ نفسه، حين يستسلم لهواه، حين يصبح عبدًا لنزواته وغرائزه، وحين يُحِبُّ ذاته وذاته فحسب، ويخاف من تغيير حاله.
ومما لا شكَّ فيه أن الغاشَّ لنفسه لا يمكنه البتَّة أن ينصح غيره، إذ كيف لمن جهل أمراً أن يعلمه غيره؟، وكيف لمن لا يعترف بالحقيقة أن يدعو غيره إليها، وكيف لمن يخدع نفسه أن يصدق مع غيره، وكيف لمن يُضِلَّها يمكنه أن يكون هاديًا لسواها، وكيف لمن لا يفرِّق بين الصالح والطالح في سلوكه أن ينصح سواه بذلك، وإن نصح فستكون نصيحته جوفاء لا قيمة لها، متناقضة يكذِّبها سلوكه، فهو كما قال تعالى: "...لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى... ﴿يونس:35﴾.