
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبيرُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ أَبْطأَ بِه عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ".
تعكس هذه المعادلة المُهِمَّة المعيار الإسلامي لأفضلية شخص على غيره، والذي يتقوَّم بالعمل لا النسب، والسَّعي لا السلطة، والتقوى لا اللون والعرق والقومية، فمن قصَّر في العمل فلن تسعِفه الألقاب ولا الأنساب. وهذا ما قرره
القرآن الكريم بقوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ﴿الحُجُرات:13﴾.
ذلك لا يعني ألّا قيمة للنسب، لكن النسب إن لم يقترن بالعمل الصالح، والسلوك السَّوِيّ يصير حجَّة على الإنسان وليس فضيلة له، فالإنسان في منطق الإمام أمير المؤمنين (ع)، مسؤول عن نفسه قبل كل شيء ومحاسَب على عمَله، وقيمته آتية مِمّا يُحسِنه، أليس قد قال (ع): "قِيْمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُه".
وعليه، فلا يملك أحدٌ أن يدِّعي الفضيلة لشرافة نسَبه وحسب، فهذا أبو لهب ذو النسب الشريف، فجدُّه هاشم الذي بلغ في النَّسب والحَسَب ما بلغ، ولكن نزل فيه قُرآن يُقرأ في ذَمِّه وذَمِّ زوجه ما دامت الأرض ومن عليها، حيث قال تعالى: تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ﴿1﴾ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴿2﴾ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ﴿3﴾ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ﴿4﴾ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ ﴿المَسَد:5﴾.
ورُوِيَ عن الإمام أمير المؤمنين أنه قال: "إِنَّ وَلِيَّ مُحَمَّدٍ مَنْ أَطَاعَ اللَّهَ وَإِنْ بَعُدَتْ لُحْمَتُهُ، وَإِنَّ عَدُوَّ مُحَمَّدٍ مَنْ عَصَى اللَّهَ وَإِنْ قَرُبَتْ قَرَابَتُهُ".
فالكرامة لا تتأتى من النسب، بل من العمل الصالح، والفضيلة لا تتأتى من كون الشخص ابن فلان، أو ابن عائلة، أو من انتمائه إلى قومية، بل من تقواه وعلمه وفضله وجهده وسلوكه الحَسَن.
إن معيار الكرامة عند الله هو التقوى، والعمل الصالح، والسلوك الإيجابي، وما يتحلى به الشخص من فضائل ومكارم، وما ينسجه من علاقات طيبة مع الله ومع خلق الله، وليس سوى ذلك أبدًا، فليكن ابن مَن يكون، لِيَكن ابن نبي ولكنه فاسد العمل فلن تنفعه بُنُوَّته، إنَّ اللهَ وعدَ نوحًا (ع) حين أمره ببناء السفينة أن ينَجِّيه وأهله، فلمّا بدأ الطوفان طلب إلى ابنه أن يركب معه في السفينة، فرفض، لأنه كان على دين القوم، ولم يكن على دين نوح (ع) فكان من المُغرَقين، ولما غِيض الماء، واستوت السفينة على الجودي، وَنَادَىٰ نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ﴿45﴾ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴿هود:46﴾ إن انتساب (كنعان) إلى نوح لم ينفعه، ولم يحُل دون غرقه، لأن عمله كان طالحًا.
وهنا يحضرني قول الله تعالى: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴿النجم:39﴾ فكما لا يُجازى إلا على عمله، كذلك لا فضيلة له إلا بعمله.
وما أحوجنا اليوم إلى أن تسود هذه المعادلة في أوساطنا الاجتماعية، كي لا تكون إثرةٌ لأحد على أحد لمجرد انتسابه إلى عائلة أو قبيلة، ولا محاباةٌ له لمجرَّد أنه ابن فلان أو عِلّان، فإنما هو واحد من الناس يمتاز عنهم إن امتاز بجهده وفضله وعمله، وعلى هذا الأساس يتعامل معه الآخرون، وهذا مِمّا يحمل الفرد على تحويل انتمائه النسبي إلى مسؤولية أمام أسلافه الأخيار وأمام الله وأمام الناس، الأمر الذي يدفعه إلى مزيد من العمل.