
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال الوهبي"
ورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ تَفَكَّرَ في آلاءِ اللهِ وَفِّقَ، وَمَنْ تَفَكَّرَ في ذاتِ اللهِ تَزَنْدَقَ".
معادلتان يقرِّرهما الإمام أمير المؤمنين (ع)، الأولى تقوم على الربط بين التَّفَكُّر في آلاء الله ونِعَمِه، والتوفيق الذي يناله المُتَفَكِّر، والمعادلة الثانية تقوم على الربط بين التَّفَكُّر في ذات الله والإلحاد والتزندق. ولكي تتضح هاتان المعادلتان لا بد أن أعرض للقارئ الكريم النقاط التالية:
أولًا: التفكُّرُ: إعمال العقل في الشيء للوصول إلى معرفته، وحركةٌ ذهنيّة واعية، تنتقل من المعلوم إلى المجهول، ومن الأثَر إلى المؤثّر، ومن الظاهر إلى الباطن.
التفكر في الاصطلاح القرآني كما في اللغة، معناه تأمّل القلب والعقل في الموجودات والآيات، لاستخلاص الحقائق والهدايات، ولذلك كان التفكّر طريقاً للمعرفة، معرفة الموجودات، ومعرفة القوانين الجارية فيها، والحاكمة عليها وفيما بينها، ومعرفة الموجِدِ لها وهو الله تعالى.
و
القرآن الكريم يدعو في طائفة عظيمة من آياته إلى التَّفَكُّر والتَّدَبُّر، فكلاهما طريقان ضروريان إلى المعرفة، فالتَّفَكُّر هو إعمال العقل في الموجودات والآيات لاكتشاف القوانين والسنن، ومجاله الآفاق والأنفس، والآيات الكونية، وما أنعم الله به على خلقه، وهو عبادة بذاته، قال تعالى: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ﴿190﴾ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ...﴿آل عِمران: 191﴾.
أما التَّدَبُّر فهو التأمُّل في العواقب والنتائج والغايات والمقاصد، ومجاله آيات القرآن والنصوص الواردة عن أهل بيت العِصمة، قال تعالى: أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴿النساء: 82﴾.
ثانيًا: تربط المعادلة بين التفكُّر في نِعَم الله وآلائه، والتوفيق. فأمّا الآلاء فهي النِّعَم العظيمة ظاهرة كانت أم باطنة، من نِعمة الخَلق، إلى نعمة العقل، والهداية، والرزق، والعافية، والإيمان والأمن، والثروات، والخيرات. والتفكُّر فيها يعني التأمُّل فيها من حيث صدورها عن الله تعالى، وعجز الإنسان عن إيجادها بنفسه، وارتباطها بنظام دقيق حكيم، وكونها وسائل تعين الإنسان على رحلته التكاملية. فمعرفة النِّعم تؤدي إلى معرفة المُنعِم، وشكره وتعظيمه، قال الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ عَرَفَ الخَلْقَ عَرَفَ الخَالِقَ، وَمَنْ عَرَفَ الرِّزْقَ عَرَفَ الرّازِقَ، ومَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ"
والتوفيق ناتج عن التفكُّر، ومعناه التسديد، وتسخير الأسباب للعبد لبلوغ الخير، ويشمل التوفيق لمعرفة الله، والتوفيق لشكره، وعبادته، والاستقامة على صراطه المستقيم، وتوظيف الإنسان نِعَمَ الله عليه في طريق تكامله، ممّا يجعله موَفَّقًا في الدنيا والآخرة.
ثالثًا: إذا كان التَّفَكُّر في آلاء الله يقود إلى تعميق الإيمان، بل إلى اليقين بالله تعالى، وذلك أعلى مراتب التوفيق، فإن التفكُّر في ذاته تعالى يقود إلى الزَّندقة، إما بإنكار الله، أو تشبيهه بالمخلوقين وتجسيمه، أو ادعاء الشريك له، أو نفي الصفات الكمالية عنه.
والتفكر في ذات الله هو محاولة الإنسان أن يحيط بحقيقة الله، وكُنهِهِ، وذاته المطلقة. وعقل الإنسان مهما أوتي من قوة يبقى محدودًا، والله تعالى مطلق، والمحدود لا يحيط بالمطلق، قال تعالى: وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا ﴿طه:110﴾. وقال سبحانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ﴿الشورى:11﴾.
إن العقل يُدرِك وجود الله، وصفاته الجمالية والجلالية، ويدرك آثاره في الخلق، ولا يُدرِك حقيقة ذاته تعالى، وكيفية وجوده، وكُنهَ صفاته. في هذا الشأن قال الإمام أمير المؤمنين (ع): "لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ، وَلَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ".
ورُوِيَ عن الإمام جعفر الصادق (ع) أنه قال في جواب من سأله: أيّ شيء يعبد، قال: "اللهَ تعالى" فقيلَ له: أرأيتَه؟ قَالَ: "لَمْ تَرَهُ الْعُيُونُ بِمُشَاهَدَةِ الْأَبْصَارِ، وَلَكِنْ رَأَتْهُ الْقُلُوبُ بِحَقَائِقِ الْإِيمَانِ، لَا يُعْرَفُ بِالْقِيَاسِ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ، وَلَا يُشْبَهُ بِالنَّاسِ، مَوْصُوفٌ بِالْآيَاتِ، مَعْرُوفٌ بِالْعَلَامَاتِ، لَا يَجُورُ فِي حُكْمِهِ، ذَلِكَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ".
النتيجة التي نخلص إليها، أن التفكر في آيات الله وآلائه يقود إلى المعرفة والتوفيق، أما التفكر في ذات الله وكُنهِه فيقود إلى الضلال والانحراف.