ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ اسْتَدامَ قَرْعَ البَابِ وَلَجَّ وَلَجَ

21:22 - February 13, 2026
رمز الخبر: 3503523

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال الوهبي"

رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ اسْتَدامَ قَرْعَ البَابِ وَلَجَّ وَلَجَ".
 
ما أروع الإمام أمير المؤمنين (ع) وهو يعبّر عن المعادلات والقوانين الحاكمة على حركة الإنسان في الحياة، وفَهم الإنسان لها، وتناغمه معها، ممّا يعينه على الإفادة القصوى منها، وجعلها مطية يمتطيها ليبلغ غاياته ويقضي حوائجه.
 
هذه المعادلة التي يقررها الإمام (ع) مهمة جدًا في علاقة الإنسان بالله تعالى، والإلحاح عليه، للدخول إلى كَنَف رحمته ولطفه وعنايته، "مَنْ اسْتَدامَ قَرْعَ البَابِ وَلَجَّ وَلَجَ" فهذا تعبير بليغ، وتشبيه رائع لإلحاح الانسان على الله تعالى، وعدم الاكتفاء بالمرة الواحدة، واليقين بأن الباب سيفتح، والحاجة ستقضى ولو بعد حين، وأن الله تعالى ربما أخّر الإجابة تفضُّلًا على الداعي ليزيده ثوابًا بما يدعو، فإن الإلحاح عبادة بذاته، أو يؤخِّرها لمصلحة لا يعلمها الداعي، أو لتتكامل شروطها، وتتهيّأ أسبابها الواقعية، التي لا يعلمها إلا الله، وسوى ذلك من الأسباب التي ذكرتها الروايات الشريفة وهي تُعَلِّل سبب تأخَّر الإجابة. 
 
ولا تقتصر هذه المعادلة على العلاقة بالله تعالى والإلحاح عليه، بل تقدَّم لنا منهجاً عمليًا يجب اعتماده لبلوغ الغايات، وذلك بتكرار المحاولة، والمثابرة على العمل مرة بعد مرة، ومنع اليأس من أن يتسرَّب إلى النفس، فما لم يتحقق الآن سيتحقق بعد الآن، تلك هي الطريقة المُثلى للتعامل مع الأمور، فأغلبها لا يتحقق في المرّة الواحدة، فمن أراد الوصول لا بد أن يثابر في سيره، ومن أراد أن يتحقق له أمر ما لا بد أن يثابر على العمل له، فكما أن اكتساب العلم لا يحصل دفعة واحدة، بل يكون بالتدريج والمراكمة، وذلك يحتاج إلى مثابرة وقرع أبواب خزائنه باستمرار، كذلك النجاح في الحياة لا يكون دفعة واحدة، ولا ضربة حظٍّ، بل هو ناتج مثابرةٍ على العمل والسَّعي، كذلك تحرير الأوطان والمحافظة على سيادتها وكرامة أهلها يحتاج إلى مثابرة على مقارعة الطغاة المحتلين الغاصبين. 
 
لقد استعمل الإمام أمير المؤمنين في تقرير المعادلة كلمات مفتاحية صاغت الفكرة ببلاغة عالية، فأبرزها مشهدًا يفيض بالحيوية، فكلمة "استدام" من الديمومة، فلا تكفي المرة الواحدة، بل لا بد من المثابرة والاستمرار، ومواصلة العمل حتى بلوغ الغاية، وتحقُّق الهدف.
 
وكلمة "لَجَّ" من اللجاجة، وهي الإلحاح الشديد، والإصرار على الأمر، وعدم اليأس، والله تعالى يحب أن يلجَّ العبد في السؤال منه، فقد رُوِيَ عن رسول الله (ص) أنه قال: "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّيْنَ في الدُّعاءِ" ويجعل من إلحاح العبد بالدعاء عبادة بذاته، إذ فيه اعتراف منه بفقره، وحاجته إلى الغني والقادر والمطلق، ولذلك قد يؤخِّر الله إجابته لهذا السبب. هذا من زاوية اللجاجة على الله تعالى، أما اللَّجَاجة في الأمور الدنيوية فهي أمر ضروري وإيجابي كما سبق وذكرنا، لأنها تدل على أن إرادة الشخص لا تنكسر، وعزمه لا يلين، وأنه لا يقبل الفشل، ولا يسمح لليأس أن يتسرّب إلى قلبه، بل يواصل السير حتى يبلغ الغاية متخطِّيًا جميع العقبات التي تعترضه، يظلُّ طارقًا جميع الأبواب حتى تُفتَحَ له فيلِج إلى الداخل، فكلمة "لَجَّ" هي الفعل والسبب والأداة، وكلمة "وَلَجَ" هي النتيجة والغاية.
 
 إذن، المعادلة تقول: إن الأبواب ولو كانت موصدة، فإنها تُفتَح بالعزيمة والإصرار والإلحاح، مِمّا يعني أن لا مكان للإحباط واليأس والقنوط من رحمة الله وإجابته، ولا مكان لذلك في الحياة كلها، فما يُخْفِقُ المَرءُ في تحقيقه في التجربة الأولى، أو الثانية، أو الثالثة فسينجح في الرابعة حتمًا، فكل محاولة حتى ولو كانت فاشلة هي في الحقيقة خطوة إلى الأمام، لأنها تُعَلِّم الانسان الكثير، فإمِّا أن تعرِّفه على نقص فيه، أو خلل في عمله، تكشف له عن نقطة قوةٍ في عَدُوِّه، أو عَقَبَة في الواقع.
captcha