
وقال ذلك، الخبير الايراني في الشؤون الدينية، "حجة الإسلام والمسلمين الشيخ محمدتقي صرفي بور"، في حوار خاص له مع وكالة الأنباء القرآنية الدولية (إكنا)، مبيناً أن "عيد الأضحى، يذكّرنا بأحد أعظم وأبقى مظاهر الإيمان والاستسلام والعبودية في تاريخ الأديان الإلهية؛ عيد أظهر فيه النبي إبراهيم (ع)، بأقصى درجات الإخلاص والتوكل، مشهدًا فريدًا من العبودية أمام أعين البشر. لم تتوقف رسالة هذا الحدث في الماضي فحسب، بل لا تزال قادرة على أن تكون مصدر إلهام وهداية ومعنى للإنسان المعاصر في عالم اليوم الصاخب؛ خاصة في عصر يحتاج فيه الإنسان أكثر من أي وقت مضى إلى العودة إلى حقيقة العبودية والتضحية والتجاوز عن الأنانية".
وأضاف: "علّم النبي إبراهيم(عليه السلام) البشرية في إختبار التضحية العظيم، درسًا فريدًا في الخضوع التام لأمر الله. لم ينبع هذا الخضوع من الخمول والانفعال، بل من عظمة المعرفة والإدراك والمحبة لله. والرسالة الأساسية للإنسان المعاصر هي أن أعظم نجاحاته تكمن في التخلي عن تعلقاته الحسية، وأنانية نفسه، ورغباته التي تُبعده عن سبيل العبودية والحق".
وصرّح أن "الدرس الأهم هو السير على درب التضحية والتسامح؛ والاستعداد للتضحية بكل ما يعيق نمونا الروحي، حتى وإن كان ذلك صعباً وشاقاً. إن روح التضحية هذه هي مفتاح تحقيق السلام الحقيقي والتقرب الى الله، الذي يمثله إبراهيم خليل الرحمن (ع) خير تمثيل".
وأكد الشیخ محمدتقي صرفي بور أن "تحديات الحياة المعاصرة، بما فيها تعقيدات العلاقات الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، ومغريات الدنيا، تُعرّض الإنسان اليوم لاختباراتٍ عديدة. ويمكن أن تكون سيرة النبي إبراهيم(عليه السلام)، التي تمحورت حول التوکل، والصبر على الشدائد، والثبات على الحق، منارةً تُنير دربنا في مواجهة هذه التحديات. فقد واجه صعوباتٍ جمّة في مسيرة النبوة، لكنه لم يتخلَّ قط عن رسالته".
وبيّن هذا الباحث في الشؤون الدينية أن "أهمية التوكل تتجلى في سيرة النبي إبراهيم(عليه السلام)؛ فقد ترك ابنه الحبيب في صحراء قاحلة بلا ماء ولا عشب بأمر الله، مؤمنًا بالوعد الإلهي. ويُعدّ هذا المستوى من الثقة بالله درسًا عظيمًا للإنسان المعاصر، الذي قد ينتابه القلق والإحباط عند مواجهة أبسط المشاكل. وتُعلّمنا هذه السيرة أنه في أي ظرفٍ كان، علينا أن نتوكل على الله ونطلب عونه".
وقال الخبير الديني الايراني إنه "من المنظور الديني، لم يتلقَّ النبي إبراهيم(عليه السلام) أمرًا بالتضحية بالحيوان فحسب، بل أمر أيضًا بالتضحية بأفضل وأحبّ الممتلكات. ويمكن تفسير هذه "التضحية" على مستويات مختلفة؛ من التضحية بالرغبات الأنانية والرذائل كالكبر والغرور والطمع والحسد، إلى التضحية بالتعلقات الدنيوية التي تعيق النمو الروحي والتقرب إلى الله".
وأوضح أن "الخضوع للأمر الإلهي، الذي تجلّى في قصة إبراهيم وإسماعيل(عليهما السلام)، هو المفتاح لحلّ العديد من مشاكلنا الفردية والاجتماعية اليوم. فعندما يُسلّم الإنسان نفسه بالكامل لخالق الكون، يتحرّر من الهموم والمخاوف غير الضرورية، ويسير في طريق رضاه. وهذا الخضوع هو سبب الطمأنينة الروحية والنفسية، ويؤمّن للإنسان الحماية من الشدائد".
وقال إنّ "الثقة في حياة النبي إبراهيم(عليه السلام) هي ثقة كاملة بقدرة الله الأزلية، وتفويض الأمور إليه، إلى جانب بذل الجهد والعمل. وهذا يختلف جوهرياً عن السلبية والانفعال. فقد أطاع إبراهيم(عليه السلام) أمر الله بترك زوجته وولده في مكة لإنقاذهما، ولكن هذا لم يكن يعني تقصيراً في العمل؛ بل كان يؤمن بأن الله هو المدبر والحافظ الحقيقي".
وأكد الشيخ محمدتقي صرفي بور أنه "بالنسبة لجيل الشباب اليوم، الذي يعيش في عالم سريع التغير ومُثقل بالمعلومات، يتطلب إيصال المعاني العميقة لعيد الأضحى شروحات مبتكرة وعملية. يجب توضيح أن قصة النبي إبراهيم (عليه السلام) وتضحيته ليست مجرد حكاية تاريخية، بل هي نماذج عملية لمواجهة تحديات الحياة".
وأضاف أنه "إذا اقتصرت الأضحية على الذبح والاستهلاك الشخصي، فسيُغفل جزء كبير من رسالتها الاجتماعية. الرسالة الأساسية هي أن الأضحية وسيلة للتقرب إلى الله من خلال خدمة الناس. هذا النهج يُرشد المجتمع نحو التضامن والتعاون ويُقلّل من الفوارق الطبقية".
وأوضح الشيخ صرفي بور أنه "يُعدّ عيد الأضحى، بما يحمله من معانٍ عميقة كالتضحية والخضوع والثقة والعدل، فرصةً عظيمةً ليصبح حدثًا عالميًا يُعزز القيم الإنسانية المشتركة. هذا العيد، الذي يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية، يُقدم للبشرية رسائل أخلاقية خالدة تُلهِم كل مكان في العالم".
وقال إنه "لتعميم هذه الرسالة، يجب التأكيد على أبعاد التضحية والفداء. قصة النبي إبراهيم (ع) هي قصة أب مستعد للتضحية بأعزّ ما يملك في سبيل حب الخالق. هذا المستوى من التضحية مفهوم ومحترم لأي إنسان، بغض النظر عن دينه أو معتقده. كما أن التأكيد على العدالة الاجتماعية والمواساة، المستمد من سنة توزيع لحوم الأضاحي، هو رسالة مهمة لخلق عالم أكثر عدلاً".
وأوضح أنه "من خلال تسليط الضوء على هذه الأبعاد، يمكن تحويل عيد الأضحى إلى رمز للتضامن الإنساني، والمسؤولية العالمية، والسعي للتغلب على الأنانية. يمكن لهذا التقليد الديني، من خلال لغة الفن والثقافة والدبلوماسية، أن ينضم إلى الحوار العالمي للأخلاق والإنسانية ويكون مصدر إلهام للأعمال الإيجابية والبناءة في جميع أنحاء العالم".