بقلم الباحث اللبنانی فی الدراسات الدینیه "السيد بلال وهبي"
"اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ".
إنّ من أعظم الدروس التي تقدّمها لنا نهضة الإمام الحسين (ع) أنّها ليست مجرّد ثورة سياسية، ولا مجرّد موقف احتجاجي طارئ، بل هي قبل كل شيء كانت تجسيدًا لامتثال الحسين (ع) أمر الله تعالى، فنهض إلى أداء تكليفه انطلاقًا من شعوره بالمسؤولية أمام الله تعالى لا باعتباره إمامًا للناس وحسب، بل باعتباره عبدًا لله، وفردًا من أفراده الأمة يهمه أمرها.
ويرى من واجبه الشرعي والأخلاقي أن ينهض لإصلاح أمرها، ومواجهة انحراف حكامها، وردّ الظلم عن المظلومين من أبنائها، وقد أعلن ذلك صراحة حين خطب في الناس قائلًا: "أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: مَنْ رَأَى سُلْطَانًا جَائِرًا، مُسْتَحِلًّا لِحُرُمِ اللَّهِ، نَاكِثًا لِعَهْدِ اللَّهِ، مُخَالِفًا لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ، يَعْمَلُ فِي عِبَادِ اللَّهِ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ، فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِ بِفِعْلٍ وَلَا قَوْلٍ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ مَدْخَلَهُ".
ثم أتبع ذلك بقوله: "أَلَا وَإِنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ لَزِمُوا طَاعَةَ الشَّيْطَانِ، وَتَرَكُوا طَاعَةَ الرَّحْمَنِ، وَأَظْهَرُوا الْفَسَادَ، وَعَطَّلُوا الْحُدُودَ، وَاسْتَأْثَرُوا بِالْفَيْءِ، وَأَحَلُّوا حَرَامَ اللَّهِ، وَحَرَّمُوا حَلَالَهُ، وَأَنَا أَحَقُّ مَنْ غَيَّرَ".
ومن هنا فإن فهم نهضة الإمام الحسين (ع) المباركة لا يكتمل إلا بفهم مفهوم التكليف الشرعي، وكيف تحوَّل هذا المفهوم لديه إلى نهضة، وتضحية، وفداء.
التكليف لغة: هو الإلزام بما فيه كُلفة ومشقة. واصطلاحًا: هو ما يطلبه الله من الإنسان من اعتقاد أو قول أو عمل، بحيث يكون مسؤولاً عنه أمام الله تعالى.
والقرآن الكريم يؤكد أن الإنسان مسؤول أمام الله، قال تعالى: "وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ﴿الصافات:24﴾" وقال تعالى: "فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ ﴿6﴾ فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ ﴿الأعراف: 7]".
فالإيمان التزام بعهد الله، وأداء للميثاق معه، ومسؤولية أمامه. ومن هنا فإن المؤمن لا يسأل فقط ماذا أريد، وما الذي يناسب مصلحتي، بل يسأل قبل ذلك: ماذا يريد الله مني، وما هو تكليفي في هذا الظرف أو ذاك. وبهذا ينتقل من منطق المصلحة الشخصية إلى منطق التكليف الإلهي.
وعندما نقرأ نهضة الحسين (ع) نجد أنّها قامت على هذا المبدأ، فلم يكن في إمكانه أن يسكت، أو يساير الواقع حفاظًا على نفسه وأهله، كما نصحه بعض المقربين الخائفين عليه، لأنه رأى أن السكوت في ذلك الظرف يتحوِّل إلى مشاركة ضمنية في الانحراف والفساد، وهذا لا يكون من المؤمن العادي، فما بالك بالحسين (ع) إمام الأمة وحجة الله على الناس.
إن إصلاح أمر الأمة، ومواجهة الفساد والمفسدين، وحفظ الدين، لم يكن في منطق الحسين (ع) خيارًا، بل كان تكليفًا إلهيًا يجب أداؤه مهما تكن النتائج، فعندما يجور السلطان، ويستحِلُّ حُرَمَ الله، وينكث عهده، ويخالف سُنَّة رسول الله، ويعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، ويلزم طاعة الشيطان، ويترك طاعة الرحمان، ويُظهِر الفساد، ويُعطِّل الحدود، ويستأثر بالفيء، ويُحِلُّ حرام الله، ويُحرِّم حلاله، يصبح السكوت، شراكة في جميع ذلك، ويصبح القعود عن مواجهته مشكلة دينية كبرى، وانحرافًا أخلاقيًا عظيمًا.
نستنتج مِمّا سبق: أن المؤمن مكلَّف بأداء الواجب الشرعي، وليس مكلَّفًا بالنتائج، النتائج يَكِلُ أمرها لله تعالى، فما دام ممتثلًا أمر الله، فعمله يكون لله، والله يضمن له النتائج، ويبلغ بها ما لا يخطر في قلبه.
إن كثيرًا من الناس يربطون العمل بالنجاح الظاهري، فإذا كانت فرص النجاح كبيرة تحركوا، أما إذا كانت قليلة تراجعوا، لكن الحسين (ع) يعلمنا أن قيمة العمل تنبع أولاً من كونه طاعة لله، فالأنبياء أنفسهم لم يُكلَّفوا بتحقيق النتائج قهراً على الناس، قال تعالى: "وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴿التغابن: 12﴾".
لقد كان الإمام الحسين (ع) يعلم حجم التحديات التي تواجهه، ومع ذلك مضى في طريقه، لأنّ المعيار عنده كان أداء التكليف لا حسابات الربح والخسارة الدنيوية.