ایکنا

IQNA

زيارة الإمام الحسين (ع) بين المواساة الوجدانية والتربية الرسالية

9:08 - June 27, 2026
رمز الخبر: 3505260
زيارة الإمام الحسين (ع) بين المواساة الوجدانية والتربية الرساليةبقلم أستاذ الدراسات العليا في النجف "آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري" 
 
ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام): «إذا أردت زيارة الحسين (عليه السلام) فزره وأنت كئيب حزين مكروب، شعث مغبّر، جائع عطشان، فإنّ الحسين (عليه السلام) قتل حزيناً مكروباً شعثاً مغبّراً جائعاً عطشاناً، وسله الحوائج، وانصرف عنه ولا تتّخذه وطناً» (كامل الزيارات، ص252).

وتكشف هذه الرواية الشريفة عن بُعدٍ عميق في فلسفة زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ لا تنظر إلى الزيارة بوصفها حركةً مكانية أو ممارسةً طقسية مجرّدة، بل باعتبارها حالةً روحية ووجدانية يعيش فيها الزائر معنى المواساة للإمام الشهيد، ويستحضر فصول مأساته الخالدة بكل ما حفّت به من آلامٍ ومحن.

فالإمام الصادق (عليه السلام) يدعو الزائر إلى أن يكون «كئيباً حزيناً مكروباً»، وهي أوصاف تشير إلى استحباب استحضار أجواء المصيبة والانخراط الوجداني في قضية كربلاء، ليغدو الزائر مشاركاً بقلبه ومشاعره في تلك الفاجعة التي هزّت ضمير الإنسانية. ومن هنا جاءت العلّة في الرواية: «فإنّ الحسين (عليه السلام) قتل حزيناً مكروباً شعثاً مغبّراً جائعاً عطشاناً»، ليكون الحزن على الحسين (عليه السلام) لوناً من ألوان المواساة الصادقة، وتجسيداً للوفاء لمن بذل نفسه وأهل بيته وأصحابه في سبيل إحياء دين الله تعالى.

أما وصف الزائر بأن يكون «شعثاً مغبّراً»، فلا يُراد به ترك النظافة أو التهاون بآداب الطهارة، وإنما يراد به إظهار التواضع والانكسار، والابتعاد عن مظاهر الترف والابتهاج التي لا تنسجم مع قدسية الموقف وعظمة الرزية. وكذلك الحال في استحباب أن يكون «جائعاً عطشاناً»، فإنه يحمل دلالة رمزية على مواساة الإمام الحسين (عليه السلام) الذي قُتل ظامئاً على رمضاء كربلاء، بعد أن مُنع عنه الماء وعن أهل بيته وأطفاله.

ثم توجه الرواية الزائر إلى اغتنام هذه النفحات القدسية في سؤال الله تعالى الحوائج والتوسل إليه بجاه وليّه الشهيد، فإنّ المشاهد المشرفة مواطن لإجابة الدعاء، ومواطن لتجديد العهد مع الله تعالى وأوليائه.

وأما قوله (عليه السلام): «ولا تتّخذه وطناً»، فهو توجيه تربوي بليغ، يراد منه أن تكون الزيارة منطلقاً للعودة إلى ميادين الحياة بروحٍ حسينية متجددة، تحمل قيم التضحية والإصلاح والثبات على الحق، لا أن تتحول إلى حالة انقطاع عن الواجبات والمسؤوليات الاجتماعية والدينية.

إنّ زيارة الإمام الحسين (عليه السلام)، وفق هذا المنظور، ليست استذكاراً لماضٍ تاريخي فحسب، بل هي مدرسة روحية وأخلاقية متجددة، يتربى فيها المؤمن على معاني الوفاء، والمواساة، والانكسار بين يدي الله تعالى، واستلهام الدروس الخالدة من نهضة كربلاء، ليبقى الحسين (عليه السلام) حاضراً في الوجدان، ومؤثراً في السلوك، ومشعلاً للهداية في مسيرة الإنسان نحو الله سبحانه.

أعظم الله أجورنا وأجوركم ولا تنسونا من الدعاء والزيارة
captcha