زيارة الأربعين هي زيارة الإمام الحسين (ع) في العشرين من صفر بمناسبة مرور أربعين يوماً على استشهاده مع صحبه، وقد ورد في رواية عن الإمام العسكري (ع) أنها من علامات المؤمن ومن هنا تراهم يتمسكون بها، ويولونها أهمية كبيرة من بين الطقوس التي يمارسونها.
ويسعى أتباع أهل البيت عامة وشيعة العراق خاصة للالتزام بهذه الزيارة والحضور عند حرم
الإمام الحسين (ع)، فيقوم الكثير منهم بالسير مشياً لمسافات طويلة متجهين صوب المرقد الطاهر في كربلاء ومن شتى المدن والقرى، حتى أن مسيرة الأربعين أخذت تمثل أكبر تجمع لأتباع أهل البيت (ع) والتي لم يسبق لها مثيل في العالم، وبالتحديد في السنين التي تلت سقوط نظام حزب البعث بعد 2003 م.
ولتسليط الضوء على أهمية وفلسفة هذه الشعيرة ومكانتها في مجال
التقريب بين المذاهب الاسلامية والتعايش السلمي بين الأديان أجرت وكالة الأنباء القرآنية الدولية(إکنا) حواراً مع
الباحث النيجيري في الدراسات الاسلامية والعضو في الحركة الإسلامية في نيجيريا "الشيخ يحيى يعقوب علي".
فيما يلي نصّ الحوار:
برأيكم، ما هي فلسفة وأهمية مسيرة أربعينية الامام الحسين(ع)؟إن الإسلام الذي وعد الله تعالى ببقاءه وظهوره على الدين كله، وإن الله لا يخلف الميعاد. شاءت قدرته أن يفي بوعده، فارصد له الأسباب ومهّد له الطريق، فهيأ الإمام الحسين(عليه السلام) لتحقيق أمنية الأنبياء والمرسلين، الا وهي توحيد البشرية وتوجيهها إلى باريها، إما عن طريق الإيمان بالله أو عن طريق الفطرة المودعة في نفس البشرية من حبّ التآلف والنفور من الوحدة والانزواء. ربما تكون فلسفة مسيرة أربعينية الإمام الحسين(عليه السلام) من هذا المنظور.
ما هي أهم العادات والتوصيات الأخلاقية والروحية للزائرين خلال زيارة الأربعين؟
انه لمن المعروف أن الإمام الحسين(عليه السلام) خرج لطلب الإصلاح في أمة جده(عليه السلام)، والإصلاح لا يتوقف فقط على إصلاح المجتمع سياسياً كما كانت الأوضاع في تلكم الحقبة. ولابدّ للمشاركين في هذه المسيرة أن يلتزموا بالأخلاق الاسلامية بما فیها التحلي بالصبر واستلهام قوة الإيمان والاخلاص ونكران الذات تأسياً بالإمام الحسين عليه السلام وأصحابه، ثم صدق الحديث وأداء الأمانة وعلى رأسها الحفاظ على الصلوات في أوقاتها، وحسن جوار من جاورك بغض النظر عن عرقه أو لونه أو حتى عن دينه لأن الإمام الحسين(عليه السلام) للجميع، وحبّه يجمعنا. ثم بثّ الرحمة والاشفاق على العجزة من النساء والولدان وحتى الدواب ـ أجلكم الله ـ.
كيف تقيّمون أهمية تعلّم القراءة الصحيحة لآيات وسور القرآن والأحكام الإسلامية خلال المحطات القرآنية التي تقام في مسیرة الأربعين؟بما أن هذه المسيرة عبادية نتقرب بها الى الله، فخير الزاد فيها التقوى والتزام المستحبات، ومن أشرف المستحبات تلاوة القرآن وتجويده، وقد لا يتحقق الأجر بدون مراعاة مخارج الحروف الصحيحة وسائر آداب التلاوة. و يجدر بالزائر المومن أن يكون ملماً بكتاب الله، فان الإمام الحسين(عليه السلام) طلب من القتلة الإرهابيين ليلة العاشر من محرم تأجيله تلكم الليله ليصلي ويتلو القرآن، فكان كذالك.
ما هي مكانة مراسم الزيارة الأربعينية في مجال التقريب بين المذاهب الاسلامية والتعايش السمي بين الأديان؟
من مكانة هذه الشعائر الحسينية خصوصاً مسيرة الأربعين الحسيني توحيد الأديان والطوائف والمذاهب وذوبان الكل في عشق هذا العبد المتحرر والمنقذ، فلا تكاد تميز بين الجميع، والكل صفاء ومحبة واخاء، حبذ لو استمر هذا الشعور تجاه بعضنا البعض حين نعود الى أوطاننا وفاء للإمام الحسين(عليه السلام) وأثراً من آثار طموحه عليه السلام في إصلاح أمة جده عليه السلام ولادخلنا السرور في قلبه وقلوب باقي الأئمة(عليهم السلام).
برأيكم، ما هي الرسالة الأهم والدرس الرئيسي لهذه الحركة الروحية وما تأثيراتها الثقافية والاجتماعية على الرأي العام العالمي؟ إن الرسالة لهذه الحركة الروحية ـ مسيرة الأربعين ـ تبادل الآراء والثقافات بين المشاركين، تماماً كما في الحج ـ ليشهدوا منافع للناس ـ وتبادل العقود والتجارات بين مختلف الناس من مختلف البلاد، وتبادل الأرقام للتواصل عبر منصات التواصل الاجتماعي من اقاصي مناطق العالم وبين مختلف الأعراق والألوان واللغات، ويتكرر هذا المشهد في كل عام، ويسود الوئام والتفاهم بين بني البشر، تحقيقاً لقوله تعالى: "إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا".
كيف يمكن لمشارکة أتباع الديانات الأخرى (المسيحية، الزرادشتية، الصائبية، وغيرها) في مسيرة الأربعين أن يوفّر منصة للحوار والتفاهم بين الأديان؟ إن الإمام الحسين(عليه السلام) رمز للوحدة، ولا تحيد رسالته عن قوله تعالى: "تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم". ودعوة الإمام الحسين(عليه السلام) الإصلاحية تجسيد لهذه الحقيقة القرآنية، وها نحن نشهد ثمرة من ثمار حركته تؤتي أكلها، بعد أكثر من ألف عام، وهذا مسيحي بجانب المسلم وذاك صابئ بجوار زردشتي، وحتى البوذي بازاء الملحد، وهم يتوقون الى التعايش السلمي فيما بينهم، تحقيقاً لقول والد الإمام الحسين (عليه السلام): "الناس لك اثنان اما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق".
هل يمكن اعتبار حضور أتباع الديانات والجنسيات المختلفة في الأربعين بمثابة نوع من "الدبلوماسية العامة" لنشر ثقافة السلام في العالم؟
تعتبر هذه الظاهرة ـ مسيرة الأربعين ـ بمثابة الدبلوماسية العامة لنشر ثقافة السلام في هذا العالم الملئ بالتحديات خصوصاً في هذا القرن، قرن الطائفية والعنصرية وسباق التسلح. فتحضر الملايين في كربلاء المقدسة والنجف الاشرف، وجميع المزارات، فبالكاد ترى أحداً يشاجر آخر أو يسمع الأذن بحادثة السرقة والاختلاس، مع عدم تواجد رجال الأمن في كل شبر. وهذا من غايات الإسلام بحيث تصبح البشرية أسرة واحدة يسودها السلام والوئام والتفاهم. لو سمع الناس محاسن كلامنا لاتبعونا، كما قال الإمام الرضا(عليه السلام).

كيف يمكن لتجربة تقديم الخدمات للزوار في المواكب الحسينية بمشاركة أتباع مختلف الديانات والمذاهب أن تقدّم نموذجاً جديداً للتضامن الاجتماعي؟بما أن الخدمات الإنسانية كانت ولا زالت في تعاليم جميع الأديان شيء مرغوب فيه والإسلام ليس بمعزل عن هذه الفضيلة بل هو سباق في هذا المضمار، فلا ترى عينك أحداً يتعفف عن خدمة أحد من الزوار مهما كانت ملامحه يطلب بذلك رضا الله تعالى لا ليمدح ولا ليتعالى على أحد، فالعراق أرض الكرم والشجاعة بحيث يعجز المخدوم عن تقبل كرم الخادم لوفوره عليه، ولا يمن الخادم على المخدوم، بل هو الذي يخدم وهو الذي يشكر المخدوم لقبول خدمته التي يراها هو متواضعة بينما يتعاظمها المخدوم. فاذا سئلت أين الكرم والشهامة؟ ففي العراق حطّ رحله.
