تعاني البشرية اليوم من أزمات لا تنبع، خلافاً للاعتقاد السائد، من نقص في التكنولوجيا أو الموارد المادية، بل إن أعظم معاناة للبشرية المعاصرة هي العيش في ظلّ "قوى جامحة" والاستسلام لـ "مقدسات زائفة".
لقد دمّر العالم الحديث أصنام اللات والعزى لكنه بنى في قلب حضارته التي أسسها بنفسه معابد جديدة رُفعت فيها مفاهيم مثل "التنمية المبنية على السرقة" و"
الحقوق الإنسانية الانتقائية" و"الأمن المُهيمن" و"الرأسمالية غير المقيدة" إلى مرتبة الآلهة.
ويُعتبر أي نقدٍ لهذه البنى ذنباً لا يُغتفر وخروجاً عن دائرة العقلانية الحديثة. في هذا الجو الكئيب، لا تمثل إعادة قراءة الآيات ١٩ إلى ٢٥ من سورة النجم المباركة عودةً تاريخية إلى عصر الجاهلية العربية، بل خارطة طريق مُحرِّرة لانهيار الركائز الفكرية والموضوعية للقوى العالمية التي تفتقد للجذور.
أولاً: أزمة "صنع الأسماء" في غياب "سلطان": تشريح وهم الشرعية
يبدو أن الضربة الأولى التي تُوجِّهها سورة النجم إلى كيان نظام الهيمنة هي كشف آلية "صنع الأسماء": " إِنْ هِیَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّیْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُکُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ" (النجم: ٢٣).
قبل أن يتمكنوا من إخضاع المظلومين بالوسائل العسكرية والاقتصادية، يستولي فراعنة العصر الحديث ونمرود على الكلمات. يُطلقون على جشعهم ونهبهم وأنانيتهم أسماءً مُنمَّقة ومُقدَّسة لا أساس لها ولا حقيقة وجودية.
في منطق
القرآن الكريم، يجب أن يتمتع كل هيكل وفكر وقوة تدعي القداسة والهداية بـ "السلطان"، أي الحجة والبرهان والأصالة الإلهية. القوى عديمة الجذور اليوم حظرت مساحات الأرض بقراراتها ومؤسساتها الفاقدة للسلطان، وهي أسماء رنانة من صنع أيديهم وأسلافهم، لجعل استغلال الإنسان يبدو مقدساً تحت لواء القانون.
ثانياً: العلاقة المشؤومة بين "الظنّ" و"الهوى": الأساس المعرفي لنظام الهيمنة
يكشف القرآن عن جذور حركة هذه القوى الزائفة في ساحتي الفكر والدافع: "إِنْ یَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ" (النجم: 23).
كيف وصلت البشرية المعاصرة إلى هذه المرحلة الحرجة؟ يكمن الجواب في استبدال "الشك" (الظن الباطل) بـ"المعرفة"، و"الأهواء" (الرغبات) بـ "الهداية والعقل".
عندما تُهمّش حضارةٌ ما الوحي الإلهي، لا بدّ لها من إدخال نظريات تخمينية وتأملات مُنمّقةٍ كـ قوانينَ ثابتة للحياة البشرية.
إن المشكلات الكبرى التي يواجهها البشر اليوم - من الأزمات البيئية المدمرة إلى الحروب المفروضة والفقر الهيكلي - هي جميعاً نتاج حكم "الظن والهوى" على مقدرات العالم.
ثالثاً: تحطيم وهم "تفكير التمني": "أم لِلإنسانِ مَا تمنّى"
لطالما عاش المتسلطون في العالم على أساس وهم مفاده أنّ إرادتهم هي التي تُحدّد حدود الحقيقة فيظنّون أنّه لمجرّد رغبتهم في الهيمنة المُطلقة، يجب على العالم أن يخضع لهذه الرغبة: " أم لِلإنسانِ مَا تمنّى" (النجم: 24).
هذه الآية هي النقد الأكثر نفاذاً لـ "التفكير الرغائبي للمستكبرين". يذكر القرآن البشرية بأن ميل ورغبة الظالمين، حتى لو تسلحوا بأكبر الجيوش ووسائل الإعلام، لا يمكنها أبداً تحويل "الباطل" إلى "الحق" و"الوهم" إلى "واقع الوجود". تمنى الفراعنة الخلود والربوبية، لكن تمنيهم غرق في أمواج النيل. والمستكبرون المعاصرون أيضاً الذين يراودهم تمني ابتلاع العالم ومسخ هوية البشر، سيواجهون جداراً صلباً من القوانين التكوينية والسنن الإلهية، لأن الوجود لا يخضع لأماني البشر المعتمدين على ذواتهم.
رابعاً: العودة إلى الربوبية الإلهية: " فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى"
يبدو أن الإجابة النهائية للقرآن الكريم على جميع الأزمات الإنسانية المعاصرة، ونقطة الانطلاق الملحمية للمظلومين، تتجلى في الآية ٢٥ من سورة النجم: " فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى".
فالدنيا والآخرة، وبداية الخلق ونهايته، وجميع عوالم الوجود، هي ملكٌ لله وحده، وله السيادة المطلقة. هذا الطرح هو رصاصة الرحمة على جسد جميع القوى عديمة الجذور. إذا كانت الدنيا والآخرة لله، فليس لأي قوة الحق في أن تعتبر نفسها المالك المطلق لأرواح وأموال ومصير المستضعفين.
إن القوانين النابعة من أهواء البشر المستكبرين تفتقر إلى المشروعية الحقيقية، وأي طريق مسدود ظاهري يصنعه الظالمون في الدنيا، سيُفتح في محكمة عدل الوجود.
وتمنح هذه الآية للمستضعفين المظلومين قوة قلب لا مثيل لها، لأنها تذكرهم بأن ركيزة الظالمين (القوة العسكرية والإعلامية) فانية ولا أساس لها، بينما ركيزة المحرومين هي المالك الحقيقي لكل الخلق، لذا يبدو أن البشرية المعاصرة، لتجاوز طرقها المسدودة، ليس أمامها خيار سوى تفكيك القدسيات الزائفة والخروج من هيمنة القوى عديمة الجذور.
في جانب، توجد جبهة المستكبرين الذين ليسوا خبراء بالطريق لأنهم يتحركون في مدار "الظن"، ولا هدف لهم لأنهم أسرى "الهوى والتمني". وفي الجانب الآخر، تقع مدرسة الوحي والنبوة التي يقول القرآن في وصفها: «مَا ضَلَّ صَاحِبُکُمْ وَمَا غَوَى»، فهو لم يضل في تشخيص المسار ولم يخطئ في اختيار المقصد.
إن نجاة البشرية المعاصرة رهينة بالعودة إلى هذا الطريق الذي له خبير وهدف، وكسر الأصنام الحديثة التي تفتقر للسلطان. إن صدى الآية «فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى» يبشر بهذه الحقيقة، وهي أن هياكل الظلم الواهية لا مصير لها سوى الانهيار، وأن الورثة الحقيقيين للأرض هم أولئك الذين يتمسكون بحبل الهداية الإلهية المتين ولا يطأطئون رؤوسهم أمام الأسماء الكاذبة.
4368119