
ورُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ عُرِفَ بِالْحِكْمَةِ لاحَظَتْهُ الْعُيُونُ بِالْوَقارِ".
الحِكمةُ نورٌ يقذفه الله في قلب من يُحبّ من عباده، وهي مَلَكةٌ عمليّةٌ تُوجّه سلوك الإنسان، وقوّةٌ نورانيّةٌ تترك أثرها على صاحبها، فتجعل له هيبةً ووقاراً في القلوب، وزينةً تُزيّنه في عيون الناظرين.
لقد ذكرت معاجمُ
اللغة العربيّة للحِكمة معانيَ كثيرةً؛ منها أنّ الحِكمة تعني: العدل، والعِلم، والحِلم، ووضعَ الشيء في موضعه. ومنها أنّها ما يُمنع به النفس من الجهل والسَّفَه.
إقرأ أيضاً:
وقيل: الحِكمة الإصابة في القول والفعل. وقيل: هي معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. وقيل: هي العلم المتصف بالأحكام المانع من الفساد. وقيل: الحِكمة هي العلم بحقائق الأشياء والعمل بما ينبغي. وقيل: هي هيئةٌ محمودةٌ يُقتدَر بها على استنباط الصواب.
والخلاصة: أنّ الحِكمة في اللغة تدلّ على العِلم الراسخ، وإتقان الفعل، وإصابة الصواب، ووضع الشيء في موضعه، وتهذيب النفس عن السَّفَه.
وذكر علماؤنا الأعلام أنّ الحِكمة ليست مفهوماً أُحادياً، وقالوا: إنّ الحِكمة معرفيّاً تعني إدراك الحقائق الكونيّة والشرعيّة، وأخلاقيّاً تعني ضبط النفس والعمل وفق العدل والحق، وروحيّاً تعني نوراً يقذفه الله في قلب عبده المخلِص، وفلسفيّاً تعني التَّشبّه بالله بقدر الطاقة البشريّة، وجمعَ العقل والنقل والكشف، كما ذكر صدر المتألّهين.
وقد أكّد أئمّةُ الهدى (عليهم السلام) أنّ الحِكمة ليست نظريّةً مجرّدة، بل هي سلوكٌ عمليٌّ متكامل؛ فهي القدرة الممنوحة من الله لعبده المؤمن ليهتدي إلى الصواب في نفسه وأخلاقه وأسرته ومجتمعه، عبر المعرفة المقرونة بالتقوى، والعمل القائم على العدل والاعتدال.
إنّها روحٌ تنبض في القلب، وعينٌ باطنيّةٌ تُبصر ما وراء الظاهر من الأمور، فإذا استقرّت في قلب الإنسان جعلتْ منه مرآةً صافيةً تعكس الحقيقة، ومنارةً تهديه في عتمة الطريق، وتصون خطاه من العِثار.
بها يعرف قَدْرَ نفسه، فلا يرفعها إلى ما ليس لها، ولا يُسقطها إلى درك الهوى. وبها يكتسب سكينةً نفسيّةً، فلا تعصف به رياحُ الشهوة، ولا تطيح به عواصفُ الغضب، فتكون رادعاً يحميه من طغيان الباطل، وجسراً يوصله إلى بَرّ الطمأنينة.
وفي علاقته مع الله، تُمثّل الحِكمة مفتاحاً يفتح للإنسان أبوابَ المعرفة بالله، فهي تُعلّمه أنّ العبوديّة ليست قيداً، بل حرّيّة، وطريقاً ضروريّاً إلى التكامل المعنوي والروحي.
فالحكيم يرى في الطاعة سُلّماً للرفعة والسُّمُوّ، ويرى في الذكر حياةً لروحه، وفي الشكر حفظاً للنِّعَم. فإذا نظر إلى الكون نظر بعين الحِكمة، رأى آياتِ الله تحيط به من كلّ جانب، فامتلأ قلبُه خشيةً ومحبّةً في آنٍ واحد. وهكذا تصير الحِكمة طريقاً إلى الله، ونوراً يُضيء القلب.
أمّا في علاقته مع الناس، فإنّ الحِكمة تجعله رقيقَ القلب، عادلاً في مواقفه، رحيماً في تعامله، يعرف متى يتكلّم ومتى يصمت، ومتى يعفو ومتى يعاتب أو يعاقب، واضعاً كلَّ أمرٍ في موضعه، فلا يظلم، ولا يتجاوز، ولا يعتدي، ولا يُفرّط في حقٍّ، ولا يدخل في باطل.
إذن، مَن اتّصف بالحِكمة صار بين الناس محبوباً، يُقصد لرأيه، ويُستظلّ بعدله، فتَلحَظه العيونُ بالوقار، وتنجذب القلوبُ إليه.
بقلم الباحث اللبنانی في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي