ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ أَبْرَمَ سَئِمَ

22:18 - November 28, 2025
رمز الخبر: 3502594
بيروت ـ إکنا: إنّ المتعبِّد الذي يبالغ في العبادة إلى حدّ إرهاق النفس وتحميلها فوق طاقتها قد ينتهي به الحال إلى الملل من العبادة بعد أن كانت قرة عينه.

 رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ أَبْرَمَ سَئِمَ".

ويقولون في المثل الشعبي الدارج: "الزائد أخو الناقص" أي إنّ كليهما يؤدّيان إلى النتيجة نفسها؛ فالنقص عن القدر الواجب في أيّ أمر يؤدّي إلى التقصير، والزيادة عن القدر الملائم تُفضي بالشخص إلى التقصير أيضًا، إذ يشعر عندها بالتعب والضيق، فتفتر همّته، ويدبر قلبه، ويستولي عليه المللُ والسأم.

تلك هي الحقيقة التي ينبهنا إليها الإمام أمير المؤمنين (ع)، وهي حقيقة لا سبيل إلى إنكارها؛ فما منّا أحدٌ إلّا وقد وقع أو يقع له شيء من ذلك. فالإكثار والإبرام غالبًا ما يؤدّيان بنا إلى الملل والسأم.


إقرأ أيضاً:


إن مفتاح فهم هذه الحقيقة يكمن في فهم كلمتَي "أبرَمَ" و "سَئِمَ". أمّا الإبرام فهو الإحكام والتشديد، ومنه قولهم: أَبرم الحبلَ إذا فتله، وأَبرم الأمرَ أي أحكمه وأصرّ عليه. والرجل المُبْرِم: المَلول الضَّجور.

وأمّا السَّأم فهو الملل والكَلل، وانطفاء الرغبة بعد التكرار، والضجر، ونفور النفس من الشيء لطول ممارسته أو الإكراه عليه. وقيل: إن السأم أعمق من «الملل» العابر، لأنه يتضمن تعبًا نفسيًا ناشئًا عن التكرار والإصرار والضغط؛ أي إنه مللٌ ممتزج بالضجر والانطفاء.

وعليه، فمعنى قول الإمام (ع): "مَنْ أَبْرَمَ سَئِمَ" أي: من شدّد على نفسه الإصرار في عملٍ واحد بلا تروٍّ ولا تنويع، أصابه السأم؛ أي الملل والضجر والتعب النفسي. فالنفس الإنسانية مجبولة على التطلّع إلى الجديد وعلى التنوّع، وتنفر من الرتابة والجمود. وعندما يفرط الإنسان في التوكيد على عملٍ، أو علاقةٍ، أو حتى فكرةٍ، فإنه يُوقع نفسه في ضيقٍ يجرّه إلى السأم والملل.

ولا يقتصر الأمر عليه شخصيًا، بل نراه بوضوح في العلاقات الإنسانية؛ فالشخص الذي يُفرِط في متابعة صديقه، أو زميله في العمل، أو حتى زوجه أو ولده، ويدقق في تصرفاته، وذهابه ومجيئه، ويبالغ في التعبير له عن مشاعره وعواطفه، ينتهي به الأمر غالبًا إلى عواقب سيئة ونتائج عكسية، إذ يورث ذلك ضيقًا ومللًا في نفس الآخر، فيتوق إلى التحرر من ذلك الشخص.

وربّ الأسرة الذي يكون مهووسًا بعمله، ولا يخصّص وقتًا لنفسه ليستريح، ولا لعائلته ليتفقدها ويبادلها الاهتمام ويرعاها، يُصاب بإرهاقٍ نفسي، ويتسبّب لغيره بذلك، فيحوِّل حياته وحياة من معه إلى جحيم لا يُطاق، بعد أن يجعل نفسه آلةً ميكانيكية تعمل بلا كللٍ ولا مشاعر ولا عواطف.

والمتعبِّد الذي يبالغ في العبادة إلى حدّ إرهاق النفس وتحميلها فوق طاقتها قد ينتهي به الحال إلى الملل من العبادة بعد أن كانت قرة عينه. ولهذا كان مما أوصى به رسول الله (ص) الإمامَ عليًا (ع) قوله: "يـا عَلِيُّ، إِنَّ هٰذَا الدِّينَ مَتِينٌ، فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ، وَلَا تُبَغِّضْ إِلَى نَفْسِكَ عِبَادَةَ رَبِّكَ، إِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا ظَهْرًا أَبْقَى، وَلَا أَرْضًا قَطَعَ، فَاعْمَلْ عَمَلَ مَنْ يَرْجُو أَنْ يَمُوتَ هَرِمًا، وَاحْذَرْ حَذَرَ مَنْ يَتَخَوَّفُ أَنْ يَمُوتَ غَدًا".

ويوصينا الإمام أمير المؤمنين (ع) بقوله: "إِنَّ لِلْقُلُوبِ إِقْبَالاً وَإِدْبَاراً، فَإِذَا أَقْبَلَتْ فَاحْمِلُوهَا عَلَى اَلنَّوَافِلِ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاقْتَصِرُوا بِهَا عَلَى اَلْفَرَائِضِ".

فالقلب له مدٌّ وجَزر، ونشاطٌ وفتور، والحكيم هو من يُدبّر قلبه كما يُدبّر الفلاح أرضه: يزرعها في الأوقات التي تقبل الزرع. فالإقبال هو حال الصفاء والرغبة والسكينة في العبادة، والإدبار هو حال الفتور والضيق؛ فلا يُجبرها المرء على ما تكره، لئلّا تملّ وتنفر.

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

captcha