ایکنا

IQNA

نهضة الحسين (ع) مواقف وقِيَم / 11

شهادة الحسين (ع) كانت فتحاً عظيماً بمقاييس السُّنَنِ الربانية

15:45 - June 26, 2026
رمز الخبر: 3505256

شهادة الحسين (ع) كانت فتحاً عظيماً بمقاييس السُّنَنِ الربانيةبقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال وهبي"

"اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَوْلادِ الْحُسَيْنِ، وَعَلى أَصْحابِ الْحُسَيْنِ"

ها قد عاد اليوم العاشر من المحرَّم، يوم وقف الحق -وقد تجلَّى بالحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه- في وجه الباطل وقد تجسَّد في عمر بن سعد وشمِرٍ وسِنان، ومن خلفهما الطاغية عُبَيد الله بن زياد، ومن خلفه الطاغية الفاجر الفاسق يزيد بن معاوية، ومعه الحزب الأموي الذي كان يعمل على إعادة تشكيل الحياة الإسلامية بما يخدم مشروعه السياسي، ويطمس كثيرًا من معالم الإسلام المحمدي الأصيل، واستبداله بإسلام آخر ظاهره إسلامي وحقيقته جاهلية.

ها قد عاد اليوم العاشر من المحرم الذي ثبت فيه الحسين على الحق مع القلَّة القليلة من أصحابه وقد كانوا يومذاك صفوة الأمة وضميرها الحي، ولم تُرهبهم كثرة أعدائهم، واجتماع اللئام عليهم، فقاتلوا قتال الشجعان البواسل، على بصيرة من أمرهم، ويقين بخيارهم، حتى قضَوا جميعًا، واحدًا تلو واحد، فصدقوا ما عاهدوا الله عليه، ولم يبدِّلوا تبديلًا، فباتوا حجة الله على كل خانع، خاضع، مستسلم للأمر الواقع، راضٍ بما عليه الناس، ساكت عن الظلم والجور والفساد، لا همَّ له إلا أن يعيش حياة بهيمية، أقصى غاية لها أن  أن تأكل وتشرب، وتستمتع بالحياة كما تستمتع بها البهائم والدواب. من غير أن تترك أثرًا في دنيا البشر.

وها قد عاد اليوم العاشر من المحرم وعادت معه ذكرى الحسين الشهيد ومن قضى معه، وعادت معه مشاعر الحزن، والأسى، والجزع، على أجساد مبضَّعة بأيد اللئام، ورؤوس مقطَّعة مفصولة عن أجسادها بأيد لئيمة كانت ترجو الجائزة على ما تحوزه من رؤوس شريفة، بضعة دنانير وُعِدوا بها ولكنهم لم ينالوها، لأن الطاغية الذي وعدهم أخلف وعده معهم، فباؤوا بخسارة في دنياهم، وباؤوا بجريمة نكراء لن ينساها التاريخ، وباؤوا بغضب من الله، ومن رسوله، ومن الأنبياء، والصالحين من عباد الله، ما دام على الأرض بشر يروحون ويجيئون.

إن شهادة الحسين (ع) لم تكن هزيمة إلا بالمقاييس المادية الظاهرية البحتة، أما بمقاييس التاريخ، والصراع بين الحق والباطل، وبمقاييس السُّنَنِ الربانية فقد كانت فتحًا عظيمًا لم تزل جذوته متقدة إلى لحظتنا الراهنة، ولم يزل ذلك الفتح العظيم يولِّد فتحًا بعد فتحٍ، إلى أن يبلغ ذروة عطائه بالفتح العظيم حين يملأ حفيده المهدي محمد بن الحسن (ع) الأرض قسطًا وعدلًا بعد أن مُلِئَت ظُلمًا وجَورًا.

وبالنظر إلى الآثار الضخمة والبركات العظيمة لهذا الحدث الجَلَل الذي حدث يوم العاشر من المحرم من سنة إحدى وستين للهجرة، كان ذلك داخلًا في علم الله السابق وتقديره، مع كونه واقعًا باختيار القتلة ومسؤوليتهم الكاملة عنه، أن يُستَشَهد الحسين وصحبه، وأن يجري عليهم ما جرى، أن يُقَتَلَ الحسين، ويُقطَعَ رأسه الشريف، ويُسار به من بلد إلى بلد، وتُسبى نساؤه وبناته وأخواته، ليولّد من كل ذلك حرارة في القلوب لن تبردَ أبدًا.

في اليوم العاشر من المحرم استشهد الحسين، فانفصلت روحه الطاهرة عن جسده، لكنه وُلِدَ في قلب كل حرٍّ أَبِيٍّ شريفٍ، وتحوَّل إلى رمز لكل المكارم والسجايا الإنسانية الكريمة، وصار روحًا للحياة الحرة الكريمة.

فما حدث في كربلاء لم يكن هزيمة للحسين (ع)، وإنما كان هزيمة للمشروع الذي قتله، فكم من منتصر عسكريًا هُزم تاريخيًا وأخلاقيًا، وكم من مقتول ظاهريًا انتصر حضاريًا وفكريًا، لقد سقطت دولة بني أمية، وبقي الحسين (ع) ومات القتلة، وبقيت ذكراهم مقرونة باللعنة والعار، أما الحسين (ع) فبقي رمزًا للحق والكرامة والإصلاح في وجدان المسلمين والأحرار في العالم.

أَعْظَمَ اللهُ أُجُورَنا بِمُصابِنا بِالْحُسَيْنِ عَلَيْهَ السَّلامُ، وَجَعَلْنا وَإِيّاكُمْ مِنَ الطّالِبينَ بِثارِهِ مَعَ وَلِيِّهِ الاِمامِ الْمَهْديِّ مِنْ آلِ مُحَمَّد عَلَيْهِمُ السَّلامُ.

captcha