ایکنا

IQNA

أثر الدين في الحياة الشخصية

8:44 - June 28, 2026
رمز الخبر: 3505277
النجف الأشرف ـ إکنا: إن الإيمان ليس قضية ذهنية تضاف إلى منظومة المعارف الإنسانية، بل هو قوة روحية ومعرفية تعيد ترتيب نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم من حوله، وتمنحه معياراً ثابتاً يفسر به أحداث الحياة وتقلباتها.
أثر الدين في الحياة الشخصية"بسم الله الرحمن الرحيم

للإنسان في حياته أصول وفروع، ومقاصد ووسائل، ومتن وهوامش. فأصل حياته هو ذاته الإنسانية بما تنطوي عليه من عقل وروح وشعور وإرادة، وأما الفروع والهوامش فهي ما يرتبط بها من مال، ومنصب، وأسرة، وأولاد، وأقارب، وسائر العلائق التي تتشابك مع وجوده في هذه الدنيا.

ولما كانت النفس الإنسانية مفطورة على حب ذاتها والتعلق بما تنتسب إليه من شؤون ومتعلقات، أصبحت حياتها عرضة لآفتين خطيرتين قلّما يسلم منهما أحد، وهما: الحزن على ما يفقده الإنسان، والخوف من فقدان ما يملكه أو يرجو الحصول عليه. فالإنسان كثيراً ما يعيش أسيراً لذكريات الماضي المؤلمة، أو رهيناً لمخاوف المستقبل المجهول، فتتوزع نفسه بين غمٍّ يستنزف طاقته، وقلقٍ يبدد طمأنينته، حتى يصبح عاجزاً عن التمتع بالحاضر والانتفاع بما أودعه الله تعالى فيه من نعم وإمكانات.

ومن هنا تتجلى القيمة الحقيقية للإيمان بالله تعالى، فإن الإيمان ليس قضية ذهنية تضاف إلى منظومة المعارف الإنسانية، بل هو قوة روحية ومعرفية تعيد ترتيب نظرة الإنسان إلى نفسه وإلى العالم من حوله، وتمنحه معياراً ثابتاً يفسر به أحداث الحياة وتقلباتها.

فالمؤمن بالله يعلم أنه يعيش في ظل تدبير إلهي قائم على العلم المطلق والحكمة البالغة والرحمة الواسعة، وأن ما يجري عليه من خير أو شر، ومن عطاء أو منع، ومن سعة أو ضيق، إنما يقع ضمن نظام محكم لا يخرج عن دائرة الحكمة الإلهية. ولذلك يسعى إلى أداء ما عليه من وظائف العبودية، ويطمئن إلى أن ربه سبحانه أدرى بما يصلحه، وأعلم بما يحقق له السعادة الحقيقية، قال تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.
 
بل إن الإنسان إذا ظفر بالحقيقة التي تتضاءل أمامها سائر الحقائق، واتصل بالمبدأ الذي لا يعتريه زوال ولا نقص، فأدرك أن كل ما في الدنيا عرضة للفناء والانقضاء، وأن البقاء الحقيقي إنما هو لما اتصل بالله تعالى، كما قال سبحانه: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.

وحين تستقر هذه الرؤية في أعماق النفس، تضعف سطوة المتعلقات المادية على القلب، فلا ينهار الإنسان عند فقد محبوب، ولا تستولي عليه الوحشة عند زوال نعمة، لأنه يرى أن ما فقده لم يكن يمثل الغاية القصوى لوجوده، وإنما كان وسيلة من وسائل الحياة التي تتبدل وتتغير.

ومن هنا نفهم السر في وصف القرآن الكريم لأولياء الله تعالى بقوله: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ۝ الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ ۝ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، فإن انتفاء الخوف والحزن هنا لا يعني خلو الإنسان من المشاعر الطبيعية، وإنما يعني تحرره من هيمنة القلق الهدّام، ومن الاستسلام للاضطرابات التي تعصف بالنفس عند تغير الأحوال وتقلب الظروف.

ولعل من أبرز أسباب ما يعانيه الإنسان المعاصر من توتر نفسي واضطرابات داخلية هو ربط سعادته بأمور متغيرة لا ثبات لها، فيفرح فرحاً مفرطاً عند تحصيلها، ويقع في الإحباط واليأس عند فقدانها، فتظل حياته رهينة لعوامل خارجية لا يملك السيطرة عليها.

أما الإيمان بالله تعالى، فإنه يمنح الإنسان مركز ارتكاز ثابتاً وسط أمواج الحياة المتلاطمة، ويجعل قلبه راسياً في ميناء الأمان مهما اشتدت العواصف، لأنه يؤمن بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن تدبير الله تعالى لعباده خير من تدبيرهم لأنفسهم.

ولهذا قال سبحانه: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾، فالإيمان لا يدعو إلى إلغاء المشاعر الإنسانية، وإنما يهذبها، ويمنعها من تجاوز حدود الاعتدال، فلا يتحول الفقد إلى انهيار، ولا يتحول الظفر إلى غرور وغفلة.

ومن هنا كانت الطمأنينة ثمرة من أعظم ثمار الإيمان، بل لعلها من أجلّ النعم التي يمنحها الدين للإنسان في حياته الشخصية، وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحقيقة بأبلغ بيان حين قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

إشراقة ختامية:

إن الإنسان الذي يجعل الدنيا غايته القصوى يبقى أسيراً للخوف من فقدانها، والحزن على ما يفوته منها، أما من جعل الله تعالى غاية مقصده، وآمن بحكمته ورحمته، فقد امتلك مفتاح السكينة، وسار في الحياة بقلب مطمئن ونفس راضية، يعلم أن ما عند الله خير وأبقى، وأن الفوز الحقيقي ليس في كثرة ما يملك الإنسان، وإنما في سلامة قلبه، وحسن صلته بربه، واستقامته على طريق الهداية .

وآخر دعوانا أن الحمدلله رب العالمين.

بقلم الأستاذ في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف آية الله السيد فاضل الموسوي الجابري
captcha