ایکنا

IQNA

17:38 - August 15, 2026
رمز الخبر: 3505934

الفتنة من منظور القرآن هي الامتحان والاختبار

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

الفتنة من منظور القرآن هي الامتحان والاختبار
قال الله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ﴿سورة الممتحنة: 5﴾
 
تأتي هذه الآية الكريمة على لسان النبي إبراهيم (ع) والذين آمنوا معه، بعد أن أعلنوا براءتهم من الشرك وأهله، وثباتهم على طريق التوحيد مهما كانت التضحيات، فإذا بهم، بعد هذا الموقف الصلب، يرفعون أكف الضراعة قائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
 
هذا الدعاء يحمل في طياته معنى تربويًا إيمانيًا راقِيًا، فالمؤمن لا ينشغل بخلاص نفسه فقط، بل يقلقه أيضًا أن يكون هو سببًا في ضلال غيره، أو ذريعة يتكئ عليها المبطل الظالم ليزداد باطلًا وظلمًا.
 
الفتنة هي الامتحان والاختبار، ولكن الامتحان قد يكون بالنعمة كما يكون بالمحنة، وقد يكون بالقوة كما يكون بالضعف. ومن هنا تعددت أنظار المفسرين في تفسير هذه الآية، وكلها تلتقي عند حقيقة واحدة، هي أن المؤمن يسأل ربه ألّا يتحول وجوده إلى وسيلة يستغلها أهل الباطل في تثبيت باطلهم.
 
ولعل أبرز صور هذه الفتنة أن يُبتلى المؤمن بالضَّعف والانكسار بطريقة توهم أصحاب القلوب المريضة أن الحق لا يملك أسباب البقاء، فيقولوا: لو كان هؤلاء على الحق لما أصابهم ما أصابهم.
 
وهذا المعنى ذكره عدد من المفسرين، وهو معنى مفهوم من طبيعة النفس البشرية، إذ إن كثيرًا من الناس لا يميزون بين حقيقة المبدأ ونتائج الابتلاء. فإذا رأوا أهل الإيمان تحت الحصار أو القهر أو الهزيمة، ظنوا أن ذلك دليل على بطلان ما يؤمنون به، مع أن القرآن كله قائم على أن الابتلاء سنة جارية على الأنبياء قبل غيرهم.
 
ومن أخطر صور الفتنة أيضًا أن يظهر المؤمن بمظهر المهزوم نفسيًا، فالقرآن يعلمنا أن الهزيمة الحقيقية تبدأ في الداخل قبل أن تظهر في الخارج. فإن الأمة قد تُهزم في معركة ثم تستعيد قوتها، لكنها إذا فقدت ثقتها برسالتها، وشكَّت في مبادئها، واستسلمت لعقدة النقص أمام خصومها، فقد وقعت في أخطر أنواع الهزيمة. 
 
وقد يكون من أعمق معاني الآية أن المؤمن قد يصبح فتنة حين ينهزم فكريًا، فيفقد يقينه، ويعتذر عن دينه بدل أن يعتز به، ويقيس الحق بمعايير الناس بدل أن يقيس الناس بمعايير الحق. فإن الضعف الفكري لا يقل خطرًا عن الضعف العسكري؛ لأن الأمة التي تشك في نفسها لا تستطيع أن تقنع غيرها.
 
وقد يكون المؤمن فتنة للكافرين حين يقدم إليهم صورة مشوهة عن الدين، أو حين يغلب عليه الجهل، أو التخلف، أو التنازع، أو الفساد، أو التناقض بين القول والعمل. عندئذ لا يعود الناس يرون الإسلام كما أنزله الله، بل كما يجسِّده أتباعه. وهنا تصبح أخلاق المؤمن امتحانًا للآخرين. وتصبح سلوكياته حجة له أو عليه. ولذلك لم يكن القرآن مهتمًا بأن ينتصر المؤمن في الجدل بقدر اهتمامه بأن ينتصر في السلوك، لأن الناس كثيرًا ما يدخلون إلى الدين من نافذة الأخلاق قبل أن يدخلوا إليه من باب البراهين.
 
وكأن الدعاء يقول: يا رب، لا تجعل ضعفنا سببًا في جرأة الباطل، ولا أخطاءنا سببًا في صد الناس عن سبيلك، ولا تقصيرنا حجابًا يحجب نور دينك. وهذا يحمّل المؤمن مسؤولية عظيمة، فهو لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل الرسالة التي ينتمي إليها. وقد يكون إنسان واحد سببًا في تقريب الناس من الله، كما قد يكون سببًا في تنفيرهم منه.
 
ومن هنا نفهم سر تشديد الأئمة الأطهار (ع) على أن يكون أتباعهم دعاةً بأعمالهم قبل أقوالهم. فقد روي عن الإمام جعفر الصادق (ع): "كُونُوا دُعَاةً لِلنَّاسِ بِغَيْرِ أَلْسِنَتِكُمْ، لِيَرَوْا مِنْكُمُ الْوَرَعَ، وَالِاجْتِهَادَ، وَالصَّلَاةَ، وَالْخَيْرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ دَاعِيَةٌ".
 
ولذلك يجب على كل مؤمن أن يسأل نفسه: هل أنا دليل على الله أم فتنة عن سبيله؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يحمله كل من انتسب إلى الإيمان، لأن الناس قد لا يقرأون القرآن أولًا، لكنهم يقرأون أهله، وقد لا يعرفون الإسلام من نصوصه، بل من صورته المتجسدة في سلوك المؤمنين. فإذا أشرقت هذه الصورة بالصدق، والوعي، والثبات، والرحمة، كانت دعوة صامتة إلى الله، وإذا غشاها الضعف الأخلاقي أو الاضطراب الفكري أو الانهيار النفسي، أصبحت -والعياذ بالله- فتنةً للذين كفروا، لا لأن الحق قد ضعف، ولكن لأن أهله لم يحسنوا الشهادة له.
captcha