ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ لَمْ يَتَحَلَّمْ لَمْ يَحْلُمْ".
الحِلم: هو العقل، وكفّ النفس عند الغضب، والتصرف بحكمة واتزان ورزانة دون تسرّع. يُقال: "حَلُمَ يَحلُمُ حِلْماً" أي صار حليماً، أي صبوراً، لا يثور بسرعة، ولا ينتقم عند الإساءة. وهو خلاف السَّفَه، إذ الحليم يملك زمام نفسه، بينما السفيه يطلق لها العنان.
والحِلم من الفضائل الأخلاقية الكبرى، ويُعدّ من أهمّ خصال المروءة والتقوى، وهو جزء من تكميل النفس وتزكيتها، ومؤشرٌ على البُعد عن الشهوة والانفعال، وقد عرَّفه علماء الأخلاق بأنه: هيئة راسخة للنفس، بها تُكفّ عن سرعة الغضب، ويُحفظ بها التوازن في مقام الشدة. وذكر الفيض الكاشاني: أن الحِلم كظم الغيظ مع القدرة على الانتقام، والتغاضي مع إمكان الردّ، وهو من دلائل الإيمان وكمال العقل.
إقرأ أيضاً:
الحِلم ليس ضعفاً ولا عجزاً، ولا هروباً من مواجهة المسيء، بل فعل أخلاقي نبيل يختاره المرء بإرادته حفظاً لكرامته، وسمواً بذاته من أن تنزل إلى مستوى المسيء، فالحليم هو القادر على الرَّدِّ بالمثل أو العقوبة، ولكنه يعفو ويتجاوز ويصفح من نُبلٍ في ذاته، ألا ترى قارئي الكريم أن واحداً من أسماء الله الحُسنى (الحليم) فهو الذي يحلم عن عباده حتى كأن لا ذنب لهم ولا معصية، وحلمه عنهم ليس من عجز، حاشاه أن يتصف بالعجز، بل من قدرة وهيمنة، قال تعالى: ... وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ﴿البقرة: 225﴾.
وقال تعالى: ... وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ ﴿البقرة: 263﴾ وقال تعالى: ...وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ﴿النساء: 12﴾. فالله حليم، لا يعاجل عباده بالعقوبة رغم قدرتِه، بل يُمهلهم، ويفتح لهم أبواب التوبة، ويستر عليهم، ويرأف بهم، ومن أجمل ما قيل في وصف حلمه تعالى ما جاء في دعاء الإمام زين العابدين (ع) المعروف بدعاء أبي حمزة الثمالي حيث يخاطب الله قائلاً: سَتّارُ الْعُيُوبِ، غَفّارُ الذُّنُوبِ، عَلاّمُ الْغُيُوبِ، تَسْتُرُ الذَّنْبِ بِكَرَمِكَ، وَتُؤَخِّرُ الْعُقُوبَةَ بِحِلْمِكَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلى حِلْمِكَ بَعْدَ عِلْمِكَ، وَعَلى عَفْوِكَ بَعْدَ قُدْرَتِكَ، وَيَحْمِلُني وَيُجَرَّئُني عَلى مَعْصِيَتِكَ حِلْمُكَ عَنّي، وَيَدْعُوني إلى قِلَّةِ الْحَياءِ سِتْرُكَ عَلَيَّ، وَيُسْرِعُني إلَى التَّوَثُّبِ عَلى مَحارِمِكَ مَعْرِفَتي بِسِعَةِ رَحْمَتِكَ، وَعَظيمِ عَفْوِكَ.
لقد وصفت الروايات الشريفة الحلم بأنه: سجية فاضلة، وغطاء ساتر يستر خَلَل الخلق، وهو حجاب من الآفات، ورأس الرئاسة، ونورٌ جوهره العقل، وتمام العقل، ونظام أمر المؤمن وخليله ووزيره، وأنفع وأرفع عِزٍّ، ووقار وجَلال، وأن الحلم أنصر للرجل من شُجعان الرجال، وجمال الرجل وزينته.
واعلم قارئي الكريم: أن الحِلم خُلق يكتسبه المَرء بالتدريب، ولا يولد معه، وإن كان استعداده له كامن في شخصيته، ولهذا قال الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ لَمْ يَتَحَلَّمْ لَمْ يَحْلُمْ" أي إن لم تدرّب نفسك على الحِلم، فلن تبلغه، فالحِلم لا يأتي صدفة، بل يحتاج إلى وعي، ومجاهدة، وترويض للنفس على الصبر وضبط الانفعال، حَتّى ولو لم تكن بطبعها حليمة، فهو سلوك واعٍ، وقرار يتخذه المرء في نفسه أن يكون حليماً، راقياً في صَفْحِه وتجاوزه وغُفرانه، فكأن الإمام (ع) يقول لنا: لا تنتظروا أن تصبحوا حلماء فجأة، بل تَحلَّموا، أي ربّوا أنفسكم على الحلم حتى تصيروا حلماء.
ولا يُعرف الحليم إلا في لحظات الغضب، ففي زمن التوتر والانفعال والتسارع في الردود، تشرق قلوب من تعلّموا الحِلم، فتجدهم لا يردّون الإساءة بإساءة، بل بصبرٍ وثقة وحكمة، ولذلك امتدح الله تعالى عباده بقوله: وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا ﴿الفرقان: 63﴾. وذلك لأنهم لا يُستَدرَجون إلى الجهل، ولا يُهزمون أمام استفزاز المشاعر.
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي