ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ رَضِيَ بِقِسَمِهِ لَمْ يُسْخِطْهُ أَحَدٌ".
الرِّضا بما قَسَم الله هو الكنز الذي لا ينفد، والإكسير الذي يشفي النفس من الطمع، ويريح القلب من اللَّهَث خلف الرغبات التي لا تنتهي.
"مَنْ رَضِيَ بِقِسَمِهِ لَمْ يُسْخِطْهُ أَحَدٌ" معادلة مُلهِمة، تفتح على القلب أبواب الطمأنينة وعلى النفس أبواب السكينة، وتنزع منها فتيل الحسد، وتُطفئ نار المقارنة، وتزرع فيها قناعة تثمر راحةً لا يعرفها إلا الرّاضون بالله.
إقرأ أيضاً:
القِسْمُ: هو ما قَسَمَه الله لك من رزق، ومن نِعَم، ومن حالٍ، ومن قَدَر.
والرِّضا: هو التسليم النابع من الإيمان بعدل الله، وحكمته، ورحمته التي لا تُحدُّ بحدٍّ، فإذا أيقنتَ بأن ما قَسَمَه الله لك هو الذي يليق بك، وأن الله ما حَرَمَك إلا ليعطيك الأفضل، سكنت نفسك وارتاحت من تعب اللهاث خلف رغبات لا تنتهي.
من رَضِيَ بما أعطاه الله، لا ينشغل قلبه بما في أيدي الناس، ولا تتطلع نفسه إلى ما هم فيه من نِعَم وأرزاق، ولا يتحسَّر على ما أعطاهم الله ومنعه عنه، ولا تسيطر عليه المقارنة الدائبة معهم، ولا يُصابُ قلبه بِسِهام الحسد.
الرّاضي لا يتكَدَّر ولا يحزن لنجاح غيره، ولا يغضب لرزق يناله، لأنه يرى أن نصيبه اللائق به قد كُتب له قبل أن يُولد، وأن الحكيم العليم لا يُخطئ القَسمة.
من رَضِيَ بقَسَمِهِ، عاش بعين الرِّضا، ومن نظر بعين الرِّضا رأى النِّعَم حيث لا يراها الشّاكون القَلِقُون الرّاغبون دائماً بالمزيد.
الراضي بما قَسَمَهُ الله له، يسعى في طلب رزقه وما يرغب به، ولكن دون لهاثٍ خلف المطامع، ويعمل بل يكابد ويكدح ولكن دون حِرصٍ مَرَضي، ويفرح لنجاح غيره كما يفرح لنجاحه، يقيناً منه أنه وَهُمْ كل ينال ما يُقَدِّره الله له، فيما له مصلحة واقعية فيه.
والراضي بما قسَمَه الله له، يشكر القليل ويراه كثيراً، ولا يتذمَر إن منع الله عنه شيئاً وأنعم به على الآخرين، إذا أعطاه الله زاد تواضعاً، وإذا منع عنه زاد صبراً ويقيناً، وهذا هو الغِنى الحقيقي، إنه غنى النفس لا غنى الجَيْب، استغناؤها بما في يديها عمّا ليس في يديها، ما دام يكفيها ويؤمِّن حاجاتها، أما الذي لا يعيش غِنى في نفسه سيظل لاهثاً وراء المزيد ولو كانت خزائنه متخمة بالأموال، وقد رُوِيَ عن رسول الله (ص) أنه قال: "اِرْضَ بِما قَسَمَ اللهُ لَكَ تَكُنْ أَغْنَى النّاسِ".
وقال الإمام أمير المؤمنين (ع): "القَناعَةُ مَالٌ لا يَنفَدُ."
واعلم قارئي الكريم: أن الرِّضا والقناعة بما قسم الله لك ليسا ضَعفاً، ولا قلة حيلة، ولا استسلاماً لواقع الحال، بل قوة معنوية تحرِّرك من مرض التَّعلُّق بالأشياء والأموال والمتاع، ولا يعنيان التوقُّف عن السَّعي وطلب الرزق، بل يعني أن تسعى وتطلب، وأنت واثق أن رزقك لن يأخذه غيرك، وأن تأخُّره لا يعني حرمانك، وهذا يربّي نفسك على الشكر والتواضع، فلا تنكسر عند القِلَّة، ولا تغتر عند الكثرة.
فعِشْ حياتك راضياً شاكراً، ناظراً إلى ما تملك لا إلى ما ينقصك، فإن الله ما منعك إلا ليعطيك، وما أخّر عنك إلا ليزكّيك.
بقلم الباحث اللبناني في الدراسات الدينية السيد بلال وهبي