ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا لَهِجَ بِذِكرِه

23:42 - January 02, 2026
رمز الخبر: 3503046

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا لَهِجَ بِذِكرِه"
 
هذه حقيقة لا نقاش فيها، فالتجربة الشخصية لكلٍّ مِنّا تشهد لها، المحبوب يصبح الشغل الشاغل للمحب، والمُحِبُّ يصرف همته إلى محبوبه، يولَع به، ويداوم على ذكره، ويكثر من التحدث عن جماله وبهائه ومحاسنه والثناء عليه، واستحضار صورته في الذهن، بل يُقحِم ذكره في كل مناسبة وغير مناسبة، لا يَمَلُّ، ولا يَكِلُّ، ولا يسأمُ، بل يجد في ذلك راحةً وسرورًا.
 
السؤال المطروح: لماذا من أحبَّ شيئًا لَهَج بذكره؟
 
الحقيقة أننا جميعًا نُدرك أننا عندما نُحِبُّ أحدًا يصبح مركز اهتمامنا ومحور تفكيرنا، بحيث يصعب أن يغيب عن ذهننا، ويدفعنا ذلك إلى الرغبة في القرب منه، سواء كان قُربًا ماديًا، أو قُربًا معنويًا وهو الأهم، نرغب أن نحظى بنظرة منه، بكلمة، نريد أن نكون أقرب الناس إليه، وأن نحظى بثقته ومحبته، فإذا لم نستطع القرب منه جسديًا فإننا نستعيض عن ذلك بذكره لنعيش لحظات القرب في الخيال، فنشعر أن القلب يحيا بهذا الذكر، وهذا ما قاله الإمام زين العابدين (ع) في دعائه: "مَولايَ بِذِكرِكَ عاشَ قَلبي". 

إذا قاربنا قول الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا لَهِجَ بِذِكرِه" من زاوية إيمانية معنوية لرأينا الحقيقة تتجلَّى في أعلى صورها في العلاقة بين العبد وربه، فإذا كان الإنسان يحب الله حقًا، فإن لسانه يلهج بذكر الله، تسبيحًا وتهليلًا ودعاءً وقراءة القرآن، وقلبه يلهج بالتفكُّر في آياته تعالى ونِعَمه، مِما يكشف عن المرتبة التي يحتلها الله في قلب الإنسان، فإذا كان ذكر من يحب من الأشخاص هو الغالب على لسانه، فحبه لله، ولله الحب الحقيقي، يدعوه إلى إدامة ذكره، ولا يرى لذة معنوية أسمى من لذة ذكره لله.
 
وهذا ما نجده في مناجاة الإمام زين العابدين (ع) حيث يناجي الله تعالى بقوله: وَمِنْ اَعْظَمِ النِّعَمِ عَلَيْنا جَرَيانُ ذِكْرِكَ عَلى أَلْسِنَتِنا، وَاِذْنُكَ لَنا بِدُعائِكَ وَتَنْزيهِكَ وَتَسْبيحِكَ، اِلـهي فَاَلْهِمْنا ذِكْرَكَ فِي الْخَلاءِ وَالْمَلاءِ وَاللَّيْلِ وَالنَّهارِ، وَالإِعْلانِ وَالإسْرارِ، وَفِي السَّرّاءِ وَالضَّرّاءِ، وَآنِسْنا بِالذِّكْرِ الْخَفِيِّ، وَاسْتَعْمِلْنا بِالْعَمَلِ الزَّكِيِّ، وَالسَّعْيِ الْمَرْضِيِّ، وَجازِنا بِالْميزانِ الْوَفِيِّ، اِلـهي بِكَ هامَتِ الْقُلُوبُ الْوالِهَةُ، وَعَلى مَعْرِفَتِكَ جُمِعَتِ الْعُقُولُ الْمُتَبايِنَةُ، فَلا تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ إِلاّ بِذِكْراكَ، وَلا تَسْكُنُ النُّفُوسُ إِلاّ عِنْدَ رُؤْياكَ، أَنْتَ الْمُسَبَّحُ في كُلِّ مَكان، وَالْمَعْبُودُ في كُلِّ زَمان، وَالْمَوْجُودُ في كُلِّ أَوان، وَالْمَدْعُوُّ بِكُلِّ لِسان، وَالْمُعَظَّمُ في كُلِّ جَنان، وَأَسْتَغْفِرُكَ مِنْ كُلِّ لَذَّة بِغَيْرِ ذِكْرِكَ، وَمِنْ كُلِّ راحَة بِغَيْرِ اُنْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ سُرُور بِغَيْرِ قُرْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ شُغْل بِغَيْرِ طاعَتِكَ، اِلـهي أَنْتَ قُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ (يا أَيُّهَا الَّذينَ امَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْراً كَثيراً وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصيلاً) وَقُلْتَ وَقَوْلُكَ الْحَقُّ "فَاذْكُرُوني أَذْكُرْكُمْ" فَاَمَرْتَنا بِذِكْرِكَ، وَوَعَدْتَنا عَلَيْهِ أنْ تَذْكُرَنا تَشْريفاً لَنا وَتَفْخيماً وَإِعْظاماً، وَها نَحْنُ ذاكِرُوكَ كَما اَمَرْتَنا، فَاَنْجِزْ لَنا ما وَعَدْتَنا، يا ذاكِرَ الذّاكِرينَ وَيا اَرْحَمَ الرّاحِمينَ . 
 
وإذا قاربناه قول الإمام (ع) مقاربة نفسية، لوجدناه يتفق تمامًا مع المبادئ النفسية الحديثه حول ما يُسمى: التركيز والتعزيز. فقد تتبعتُ ما قاله علماء النفس في هذا الشأن، ووجدتهم يتفقون على أن ما يركِّز عليه ذهن الإنسان يتضخَّم في وعيه، ويصبح له الأولوية، وأن المحبوب هو الموضوع الذي يستهلك الجزء الأكبر من الانتباه.

ويضيفون: أن حديث الإنسان عن شيء يُحبّه يُعَزِّز لديه المشاعر الإيجابية المرتبطة به، وأن ذكر المحبوب هو عملية ترسيخ للحب وتقوية للارتباط العاطفي، وأن ما يلهج بذكره هو ما يعتبره ذا قيمة عُليا في حياته، ويكشف عن سُلَّم أولوياته النفسية ورغباته الحقيقية. 
captcha