ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ فَعَلَ الْخَيرَ فَبِنَفْسِه بَدأَ".
تحمل إلينا هذه الجوهرة الكريمة معادلة مهمة للغاية، تمثل قاعدة جوهرية في بناء الإنسان الذي يفعل الخير، ويدل عليه، وينطلق في دروبه، حتى يصير خيراً يمشي في الناس، كما جاء في الحديث الوارد عن الإمام أمير المؤمنين (ع) في صفات شيعته حيث يقول: "إِنَّمَا شِيعَةُ عَلِيٍّ ٱلْمُتَبَاذِلُونَ فِي وَلَايَتِنَا، ٱلْمُتَحَابُّونَ فِي مَوَدَّتِنَا، ٱلْمُتَزَاوِرُونَ لِإِحْيَاءِ أَمْرِنَا، ٱلَّذِينَ إِذَا غَضِبُوا لَمْ يَظْلِمُوا، وَإِذَا رَضُوا لَمْ يُسْرِفُوا، بَرَكَةٌ عَلَىٰ مَنْ جَاوَرُوهُ، وَسَلَمٌ لِمَنْ خَالَطُوهُ" فوجودهم كله خير وبركة ونفع لأنفسهم ولسواهم من الناس.
والمعادلة التي بين أيدينا تصحِّح مفهوماً خاطئاً عند كثير من الناس، فإنهم ليحسبون أن الذي يستفيد من فعل الخير هو الذي يتلقّاه، مثال ذلك: أن يتصدق مُحسِنٌ بمال على الفقراء والمساكين، فيعتقدون أن المستفيد من الصدقة هم الفقراء والمساكين، لكن المستفيد من منظور الإمام (ع) بل من منظور الإسلام هو فاعل الخير نفسه، المتصدق بماله، فإن عائد الصدقة يرجع إليه أولاً، يرجع إليه أجراً وثواباً وقُرباً من الله، ويرجع إليه نَماءً وزيادة في ماله، وزكاة له، كما يرجع إلى الفقراء والمساكين سَعَة في رزقهم، وطمأنينة وسكينة.
إقرأ أيضاً:
فالخير في الواقع هو نور ينير قلب صاحبه أولاً ثم يشُعُّ منه إلى من حوله، فأولُ من ينتفع بفعل الخير هو فاعله، وأولُ من يتربّى بالخير هو قلبه، وأولُ من يصعد في مراتب النور روحه.
فعل الخير انعكاس للنفس الخيِّرة، فحين تعين محتاجاً، فأنت تُنقذ قلبك من القسوة قبل أن تُنقذ الآخر من الفقر، وحين تَصدُق، فأنت تطهّر نفسك من الكذب قبل أن تكسب ثقة الآخرين، وحين تُصلِح بين الناس، فأنت تُصلح قلبك من الغِلّ قبل أن تُصلح بينهم.
وقد أكَّد القرآن الكريم هذه المعادلة العظيمة، قال تعالى: إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا...﴿الإسراء: 7﴾ فالآية تعبِّر عن سنة ثابتة، إذ أن محصَّلة ما يعمله الإنسان من سوء أو خير تعود إليه نفسه، فالإنسان عند ما يُلحِق أذى أو سوءاً بالآخرين، فهو في الواقع يلحقه بنفسه، وإذا عمل خيراً للآخرين، فإنما فعل الخير لنفسه، تلك هي المعادلة التي لا تتغير في الدنيا وفي الآخرة، والتي تجعل عمل الإنسان كله له، بكل ثماره ونتائجه وتجعل الجزاء ثمرة طبيعية للعمل، منه تنتج، وبه تتكيَّف، وتجعل الإنسان مسؤولاً عن نفسه، إن شاء أحسن إليها، وإن شاء أساء، لا يلومَنَّ إلا نفسه حين يحق عليه الجزاء.
فلا تنتظر قارئي الكريم أن يبادر غيرك إلى فعل الخير كي تتبعه في ذلك، بل بادر أنت، افعل الخير ولو تأخَّر غيرك عن فعله، بل بادر إلى فعل الخير ولو لم يفعله سواك، فإنك أول المستفيدين من كل بذرة خير تُزرعها.
ولكي تكون من أهل الخير ابدأ بإصلاح نفسك، واملأ جَنانك بالخيرات، وقلبك بحُبِّ الصالحات، فإن الخير لا يكون من قلب مريض، لا يكون من قلب جافٍ، ودرِّب نفسك على فعل الخير ولو كان قليلاً، قد يكون ابتسامة في وجه مهموم، أو صفحاً عن خاطئ، أو إعانة بكلمة، ولا تنتظر مقابلاً من أحد، وليكن عملك خالصاً لوجه الله، فأنت أول الرابحين.
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي