
بيروت ـ إکنا: لقد تضمنت آية المحكم والمتشابه في سورة آل عمران قول الراسخين في العلم في أن كل من المحكم والمتشابه هو من عند الله، وقد اختلفت مواقف العلماء بشأن علمهم بالتأويل أو أنهم يتوقفون عند السدد المضروبة دون علم الغيوب! ويكفي في ملخصنا هذا تجاوز المضادّة والمحادّة الى التأكيد على ما تعنيه الآيات في سياق نزولها، إذ هي،كما سبق القول منا، تسند الإحكام والتشابه إلى الكتاب، و
القرآن الكريم هو اسم لما نزل على
الرسول الأعظم(ص) من الكتاب، تماماً كما سمي التوراة والإنجيل كتاب.
وهكذا، فإن ما تؤسس له الآية المباركة ليس فقط وجود الإحكام والتشابه في الكتاب، فهو محكم ومتشابه، لكن لا على النحو الذي ذهب إليه أهل العلم من وضوح وإبهام وإجمال أو ما لا يرجى البيان فيه، وإنما على أساس الثابت والمتغير.
فالمحكمات هن أم الكتاب، وهي ثابتة لا تتغيّر بين كتاب وكتاب. أما المتشابهات فهي
الأحكام الشرعية التي جاء النسخ في بعض أحكامها لمقتضيات وضرورات تتعلق بالمجتمع وتحولاته، فكان التشابه في الموضوعات دون الأحكام، وقد ظهر هذا الأمر جلياً في قوله تعالى: "ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها".
إقرأ أيضاً:
فالكلام الإلهي جاء في فضاء المحاججة مع أهل الكتاب، ما يفترض إعادة النظر في ما تؤسس له هذه الآية المباركة، سواء في معنى المحكم والمتشابه أو في معنى الزيغ أو في التأويل والرسوخ في العلم.
فالسياق وكذلك سبب النزول حاكمان في تظهير الدلالات على النحو الذي يتبين فيه معنى الزيغ ممن اتبعّوا المتشابه. فالآية تظهر أن هذا الاتباع إنما كان بهدفين، الأول: ابتغاء الفتنة لإحداث الزلزلة عند المؤمنين. والثاني: هو ابتغاء التأويل طلباً للرخصة لهم والفرار مما ثبت في كتابهم، فإذا كان ما جاء في القرآن أسهل في الاتباع مما نزل عليهم أخذوا به لكونه متشابهاً مع ما عندهم، وهذا لا يكون إلا في الشريعة كما جاء في أحكام قتل العمد والقصاص التي تشابهت بين القرآن والتوراة، ولعل هذا ما تفيده مفردة التكرار للابتغاء في الآية المباركة.
إذن، يفترض بالبحث أن يبدأ من مورد النزول لا على قاعدة أن العبرة بخصوص السبب، لكون الذين في قلوبهم زيغ في كل زمان يتبعون ما تشابه لإضلال الناس كما هو حال أكثر الفرق الكلامية، وقد أجمع الفقهاء على أنه لو لم يكن لهذا المتشابه ظهوراً في معنى معين لما تمكنوا من طلب الفتنة به! فالأمر لا ينحصر في سبب النزول، بل يتعداه إلى عموم الأزمنة.
وكيف كان، فإن الآية تشكل منطلقاً للبحث في ما يعنيه الرسوخ في العلم والتأويل، وهنا يمكن أن نستدل بظهورات القرآن لمعرفة السياقات التي جاءت بها المفردة، حيث رأينا أنها وردت كلها في الذين كفروا من أهل الكتاب، وخصوصاً اليهود.
فالآية تأتي على ذكر الذين في قلوبهم زيغ ثم تعقب الكلام بقول الراسخين في العلم. فالقسم الأول هو على زيغ في الدين. أما القسم الثاني فهو على ثبات فيه، على اعتبار أن الراسخين جاؤوا طرفاً في الترديد؛ فيؤول المعنى مورداً إلى الراسخين من أهل الكتاب أيضاً. وهنا يمكن تلخيص الموقف على الشكل الآتي: إن البحث عن الراسخين في العلم ينبغي البدء به من القرآن الكريم إذلم يرد مطلقاً هذا المصطلح إلا في سياق الكلام عن أهل الكتاب، وهذا يشكل قرينة منفصلة على حقيقة ما ترومه المفردة،كما جاء في سورة النساء، حيث قال تعالى: "ولكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك..."هذا أولاً.
ثانياً: لا نرى وجهاً للاختلاف حول ما إذا كان الرسول(ص) وأهل بيته راسخين في العلم في مفاد الآية، لكون مصداقها بحسب النزول هو أهل الكتاب وما انقسموا إليه من إيمان وزيغ، ولا يعقل أن يكون الرسول(ص) وأهل بيته موضعاً للسؤال لجهة العلم بالتأويل من عدمه.
وقد حق القول من العلامة الطباطبائي أن الآية مفيدة للاستنئناف لا للعطف، فلو كانت الواو عاطفة وكان المراد منها التشريك بالتأويل كان منهم الرسول(ص) لما دأب عليه القرآن من إفراد الرسول بالذكر إذا ما ذكرت أمة أو جماعة،كما هو الحال في كثير من الآيات التي تجمع بين الرسول والذين آمنوا، هذا فضلاً عن تسليمنا المطلق بمجيء التأويل على نحو الاعتراض لرفع التوهم من أن أهل الزيغ يمكن أن يكونوا على علم بتأويل المتشابه، فجاء الحصر بالله وحده؟
ثالثاً: يمكن للباحث أن يناقش في معنى وصف الرسول(ص) وأهل بيته(ع) بالراسخين أو في علم التأويل، ذلك أن أكثر الآيات، وكذلك الروايات تصف النبي(ص) بالنور والسراج المنير، وهل ثمة فرق بين النور وبين من يمشي في النور، بين الرسوخ في العلم وبين معدن العلم أو بين الراسخ في العلم وبين قوله تعالى: "بل هو آيات بيِّنات في صدور الذين أوتوا العلم...!؟
أليس معنى النور أنه المظهر لذاته والمظهر لغيره؟ فهل هذه الصفة تكون لكل من هو راسخ في العلم؟ فأهل البيت يقولون: نحن أنوار السموات والأرض، وسفن النجاة،وفينا مكنون العلم،الى غير ذلك مما جاء في غاية المرام، وتذكرة الخواص وبحار الأنوار.
يقول الإمام الباقر(ع): والله إنا لخزّان الله في سمائه وأرضه،لا على ذهب ولا على فضة،إلا على علمه..وهنا نسأل،هل كل راسخ في العلم يعلم بالتأويل؟ أم أن كل عالم بالتأويل هو راسخ في العلم؟ فالعالم بالتأويل هو حتماً راسخ في العلم، ولكن ليس بالضرورة أن يكون كل راسخ في العلم عالماً بالتأويل، فهل الذي عنده علم من الكتاب هو كمثل الذي عنده علم الكتاب؟ لا شك في أن معدن العلم يختلف عمن يعرض عليه العلم ويرسخ فيه، ولم يثبت عن أهل البيت(ع) أنهم كانوا على جانب في التأويل، بحيث يصدق عليهم القول إنهم علموا أشياءً وغابت عنهم أشياء، إذ كيف يكون لهذا القول حيثية صدق والامام علي(ع) يقول: سلوني قبل أن تفقدوني. ومثله قول الرسول(ص): أنا مدينة العلم وعلي بابها.
رابعاً: إن العلم بالتأويل لا يستفاد من آية المحكم والمتشابه، فمن رسخ في العلم من أهل الكتاب كان قوله آمنا به كل من عند ربنا،فهل يستوي من عنده علم الأولين والآخرين مع من رسخ علمه عند القول:أخرقتها لتغرق أهلها.لقد قالها علي ع قولاً قرآنياً صادعاً:" ولتعلمّن نبأه بعد حين."
بقلم أ.د فرح موسى:رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في إیران