ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة..

مَنْ كَبُرَتْ هِمَّتُهُ كَثُرَ إهْتِمامُهُ

0:32 - January 02, 2026
رمز الخبر: 3503038

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ كَبُرَتْ هِمَّتُهُ كَثُرَ إهْتِمامُهُ"
 
الهِمّة: قوّة العزم، وارتفاعُ وجودةُ قصد الإنسان وصدق نيته، واستشعاره قيمة ذاته، وأنَّ نفسه خُلقَت لأمر عظيم، وتطلّعه إلى ما هو أعلى وأشرف من الأمور والغايات، واستصغار ما دون الغاية، أي أن يكون الإنسان مشغولاً بالأهداف الكبرى والمقامات العالية في الدنيا والآخرة، فلا يقف عند الأهداف الدنيوية السهلة أو الجزئية، مع رغبةٍ صادقةٍ تدفع صاحبها للسَّعي الدائم نحو الكمال المعنوي والعلمي والمعرفي، وعدم الاكتفاء بدرجة معينة منه، وفعل ما يستصعبه غيره، وعدم التأثر بالكسل أو التثبيط أو العقبات.

هذه خلاصة معناها كما ذكرته معاجم اللغة العربية، وعلى ضوء هذا المعنى يتضح لنا أنها تلك الطاقة الخلّاقة، التي تتقد في أعماق الإنسان نحو غايات سامية، ومراتب رفيعة، مع عزم راسخ، وإصرار على بلوغ تلك الغايات مهما كانت الصِّعاب.
 
وقد أكَّد الإسلام كثيرًا على أهمية علو الهمة، ودعا المسلم إلى أن تكون همته من أعلى الهمم وأسماها، فقد رُوِيَ عن رسول الله (ص) أنه قال: "إنّ اللَّهَ تَعالى‏ يُحِبُّ مَعالِيَ الأُمورِ وأَشْرافَها، ويَكرَهُ سَفسافَها"
 
وجاء عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: "المَرءُ بِهِمَّتِهِ لا بِقُنيَتِهِ. وقَدرُ الرّجُلِ على‏ قَدرِ هِمَّتِهِ. ومَن شَرُفَت هِمَّتُهُ عَظُمَت قِيمَتُهُ".
 
وما هذا التأكيد إلا لأن عُلُوَّ الهِمَّة مفتاح كل نجاح، وباب إلى كل فلاح، وشرط لكل تطور وارتقاء، ونمو إيماني ومعنوي ومادي، فبدونها لا يمكن تحقيق أي إنجاز في مختلف الميادين، فالأهداف العظيمة تحتاج إلى عزيمة عظيمة، فلا يمكن لإنسان بهمة ضعيفة أن يكون عالماً كبيراً، أو مصلحاً اجتماعياً، أو قائداً فاعلاً.
 
وصاحب الهمة العالية يرى العمر فرصة ثمينة، بل أثمن ما يملك فيشغله بما يرفع قدره، مبتعداً عن سفاسف الأمور وضياع الأوقات، وتدفعه همته العالية إلى الصبر، والتحُّمل، والثبات أمام المصاعب، ومشقة التعلم والعمل والتغيير، ومواجهة الفشل واليأس، وتمنحه شعورًا بقيمته، وتصنع منه شخصًا رساليًا، متساميًا في غاياته، مترفِّعا عن الصغائر والأمور التافهة.
 
فضلا عما سبق نجد الإمام أمير المؤمنين (ع) يربط بين عُلُوِّ الهِمَّة وكثرة الاهتمام، ليرسم معادلة مفادها: أن مَن عَلت هِمَّته كثر اهتمامه. والمراد من كثرة الاهتمام هو ما يقتضيه علو الهمة، ولتوضيح الفكرة أورِد للقارئ الكريم النموذج التالي: لو كان شخص يحاول أن يقفز فوق حاجز يرتفع مترين عن مستوى الأرض، فمن الطبيعي أن يضطر إلى الركض من بعيد وأن يبذل جهدا عظيمًا كي يمكنه أن يقفز، أما لو كان شخص يريد أن يقفز فوق حاجر يرتفع عن سطح الأرض نصف متر، فإنه لن يحتاج إلى الركض من مسافة بعيدة كما لن يحتاج إلى بذل أقصى جهده.
 
كذلك الحال فيما عَلَت هِمَّته وارتفعت غاياته فمن المؤكد أن يقتضي ذلك منه الكثير من الاهتمام والعمل والسعي وبذل الجهد، فأهدافه الكبيرة تستلزم التفكير الطويل في الهدف، ومتطلبات تحقيقه، من خطة، وإمكانيات، وشعوره بعظيم المسؤولية يدفعه للعمل فوق ما يستطيع، وسعيه للكمال المعنوي يوجب عليه التهذيب الدائم لأخلاقه، وتزكية نفسه، والالتزام الدائم ببرامج عبادية، والحرص على سلامة سلوكه وانسجامه مع القيم الأخلاقية السامية، وانضباط حركته في الحياة بضوابط الشريعة الربانية.
 
من عَلَت همّته اتّسع اهتمامه بالضرورة، فهو يهتم بمعرفته لأنه يعلم أن الجهل قيد، ويهتم بأخلاقه لأن السقوط الأخلاقي أساس كل سقوط، ويهتم بعمله لأن فيه نجاحه الدنيوي، وسعادته الأخروية، ويهتم بالآخرين لأن الخير يحتاج إلى من ينهض إليه.
 
فصاحب الهمَّة العالية، إنسانٌ يعيش الحياة يَقِظًا مُتنَبِّهًا، لا يترك فكرة نافعة إلا ويلحقها ليمسك بها ويتبنّاها، -والحكمة ضالة المؤمن- ولا يترك فرصة سانحة تفلت من يديه، ولا لحظةً ثمينة تضيع منه، فالهمة الكبيرة تملأ القلب بأهداف كثيرة، ولا يهدأ صاحبها إلا ببذل الجهد المتعدد والمستمر لتحقيق هذه الأهداف، فتكون النتيجة هي "كثرة الاهتمام".
captcha