
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال وهبي"
بين أيدينا معادلة أخرى يقررها الإمام أمير المؤمنين (ع): تربط بين الخُرق والطَّيش والجهل والسَّفه، وبين المَهانة وسقوط المنزلة الاجتماعية. ففيها تنبيه إلى العلاقة الحتمية بين الخُرق والرعونة، وبين القيمة الاجتماعية والمنزلة لدى الناس، وتدعونا في ذات الوقت للارتقاء بنفوسنا وفضائلها، والاهتمام بسلوكياتنا، وتجنُّب الخُرق والطَّيش والحِرص على التَّعقُّل والاتزان والرصانة، لنكون من خيار الناس لا من أراذلهم.
كي تتضح أبعاد هذه المعادلة الاجتماعية لا بُدَّ أولًا من فهم معنى الخُرقِ والاستِرْذالِ:
الخُرْقُ: الجهل، والحُمق، والطيش، والغِلظة، وسوء التدبير، وقد يأتي بمعنى الجَفاء، إنه ذلك التصرُّف الأهوج، أو القول الفظّ الذي لا يراعي الحال، ولا مشاعر الآخرين، مع ما فيه من افتقاد الحكمة واللين والأناة في التعامل.
أما كلمة اسْتُرْذِلَ فتعني: عُومِل بالاحتقار، أو نُظِر إليه على أنّه دَنيء، ما يعني سقوط منزلته في أعين الناس. فالاسترذال هنا هو نتيجة طبيعية لانعدام احترامهم له وثقتهم به بسبب خُرقه وحُمقه.
هذه المعادلة تُقرِّر أنَّ الإفراط في الخُرِق والحُمق وسوء التصرُّف والغِلظة يؤدِّي حتمًا إلى سقوط الشخص من أعين الناس واحتقارهم له. وهذا ما تشهد له التجربة الاجتماعية، ويتجلَّى أمامنا في حياتنا اليومية عبر صورٍ شَتَّى، فالشخص الذي يُطلق لسانه بالشتائم والألفاظ النابية والجارحة حال غضبه، لا يرعى كرامةً ولا مقامًا، تسقط من عيون الناس ولو كان ذا منصب كبير، والشخص الذي يتصرَّف بغلظة ويعامل الآخرين بقسوة، وينال من هذا وذاك، لا يحفظ سرًا، ولا يستر عورةً، ولا يقيم وزنًا لأحد من جلسائه يفرُّ الناس منه ويصبح منبوذًا من قبلهم، والشخص الذي يسيء التدبير، ويتسرَّع في اتخاذ قراراته المصيرية دون تفكير أو مَشورة، أو يُسرِف في ماله ويُبَذِّره، ويُضَيِّع أوقاته في الهزل واللهو، مثل هذا لا توظِّفه المؤسسات، ولا تمنحه حتى الفرصة لإثبات الذات.
والأسوأ مما سبق أن يتحول الخُرق إلى عادة، إلى سيرة وسلوك متماديين، فالإنسان قد يخطئ مرة فيُعذَر، وقد تزِلُّ قدمه فيُحتمل، لكنّ إذا أضحى الخُرق طبعًا ثابتًا له، تسوء صورته في أعين الناس، وتبهت كما يبهت لون الثوب، فالناس يغفرون الهفوة الواحدة، لكنهم لا يغفرون الطبع والسيرة المتمادية، وهم مهما بلغوا من رُقِيٍّ أخلاقي، لا يمكنهم غضُّ الطرف عن الأخرق، ولا يمكنهم محضه الثقة والاحترام والتقدير.
إن قيمة الإنسان تُقاس بدرجة وعيه، وعقله، وعلمه، وأخلاقه، "قِيْمَةُ كُلِّ امْرِئٍ ما يُحْسِنُهُ" كما يقول الإمام أمير المؤمنين(ع). فاذا فقد العلم والوعي، وأظهر الخُرق والجهل والطيش، فلا قيمة له ولا كرامة.