
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ قَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ خُدِعَ".
حقيقة لا ينكرها إلا عديم التجربة، أما الذي خاض في ميادين الحياة وملك التجارب، يُدرك أن التجربة هي التي تراكم خبراته، وتُنَمِّي مهاراته، وتزيد في علمه، وتصقل وعيه، وتهذِّب طبعه، فالتجارب في حياة الإنسان ليست أحداثًا تعبر ويعفو عليها الزمن، بل هي جسور يعبر عليها المرء من طورٍ إلى طور، ومن إدراكٍ إلى إدراكٍ أعمق، فالتجربة مهما صغرت أو بدت عابرة، تترك في وعيه أثراً لا يُمحى، وتفتح له نافذة على فهم ذاته وفهم الناس والحياة من حوله.
إقرأ أيضاً:
{$sepehr_key_7501}
إن العقل لا يكتمل بالقراءة وحدها، ولا بالمعرفة النظرية مهما اتّسعت، إنّه يحتاج إلى احتكاكٍ مباشر بالعالم، إلى امتحانٍ عمليّ لِما يظنه معرفة، وهنا تأتي التجارب لتكون هي الاختبار والفيصل، فحين يمرّ الإنسان بتجربةٍ معينة، يتشكَّل في عقله وعي جديد، وبصيرة لم تكن موجودة من قبل، بل تعيد التجربة أو التجارب تشكيل فكره وقناعاته ومواقفه وعلاقاته ومهاراته، وتكشف له حاله، وتعرِّفه على قواه وإمكانياته، فالمواقف الصعبة تشحذ إرادته، والفشل يُهذِّب توقّعاته، والنجاح يزيده ثقة بنفسه، والاحتكاك بالناس يكشف له طبائعهم.
التجارب تمنح الإنسان قدرة على فهم أعمق للأمور، وتجعله أكثر دقة في الحكم، وأكثر تروِّيًا قبل اتخاذ قرار، وأكثر قدرة على استشراف المستقبل، وأكثر ثباتًا في الأزمات، وتصنع منه شخصاً لا تصدمه المفاجآت، وتولِّد فيه وعيًا اجتماعيًا، وقدرة على التعامل بذكاء مع الأشخاص، مما يجعله أقلَّ عرضة للغش والكذب والخداع، وأكثر قدرة على اختيار من يصادقه، ويتعامل معه، ويشاركه، ويكون في الدائرة الأقرب إليه.
في هذا السياق يأتي قول الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ قَلَّتْ تَجْرِبَتُهُ خُدِعَ" ليشير إلى أنّ الإنسان إذا كان قليل التجارب، فإنه سيكون عُرضَة للخداع من قبل الآخرين، لأن تفكيره يبقى سطحيًا، ومعلوماته تبقى نظرية، وتقديره للأمور يبقى ضعيفًا، وتعامله مع الناس يبقى في حدود البراءة الطفولية، فيسهل عليهم خداعه، لأن الخداع لا يقوم على الوضوح، بل على تزييف الواقع وتزيينه بحيث يظهر الباطل بصورة الحق، والغِشُّ بصورة النصيحة، وتمييز الباطل من الحق يحتاج إلى معرفة بطبائع البشر وأساليبهم، وقدرة على قراءة سلوكياتهم، وما يُظهِرون وما يُبطِنون، وبصيرة تجنِّب الشخص الوقوع في براثن المخادعين، وهذا كله لا يتكوَّن إلا بالتجربة.
إن القرآن الكريم ينقل لنا الطريقة التي يتعامل بها من صقلته التجارب وعرف طبائع الناس، ينقل لنا عن يعقوب النبي (ع) كيف حذَّر ابنه يوسف(ع) من أن يقصَّ رُؤياه على إخوته فيكيدوا له ويمكروا به، قال تعالى: قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَىٰ إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴿يوسف:5﴾ إن هذه النصيحة أتت من تجربة طويلة، وهبت يعقوب (ع) فهمًا عميقًا لطبائع البشر، وطبائع أبنائه، فعرف ما يخفونه من حَسَدٍ لأخيهم.
كذلك نقرأ ذلك الحديث المُهِمِّ والمُلهِم، الذي رُوِيَ عن رسول الله (ص) وهو قوله: "المُؤْمِنُ لا يُلْدَغُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ" أي أنّ التجربة ينبغي أن تصنع من الوقوع في الخطأ الأول وَعيًا وبصيرة، يمنعان المؤمن من تكراره.
وجاء عن الإمام أمير المؤمنين (ع): "مَنْ أَحْكَمَ التَّجارِبَ سَلِمَ مِنَ المَعاطِبِ، ومَنْ غَنِيَ عَنِ التَّجارِبِ عَمِيَ عنِ العَواقِبِ". فالتجارب ليست أحداثًا تحدث وتنقضي وحسب، بل هي خبرة وعلم ومعرفة وفهم جديد، يدفع عن الانسان العطب والوقوع في الخطأ.