ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

مَنْ قَلَّتْ مُبالاتُهُ صُرِعَ

22:10 - January 08, 2026
رمز الخبر: 3503124

بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي

رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ قَلَّتْ مُبالاتُهُ صُرِعَ".
 
من يتهاون في أموره، ويستهتر بها، ويهملها، ولا يعطيها الاهتمام المطلوب، ولا يبالي بما يحدث لها، ولا يُقَدِّر عواقب ذلك، ينتهي به الحال إلى الهزيمة والانكسار والخسران، ويكون هو المتسبب لنفسه بهذه النتيجة، وعليه أن يتحمَّل مسؤولية ذلك أمام نفسه وضميره، وأمام الله تعالى.
 
تلك هي الحتمية التي يقرِّرها الإمام أمير المؤمنين (ع)، والتي تقوم على الربط بين قلة المبالاة أو عدمها، أو عدم الاهتمام، وبين الصرع والسقوط والانكسار والهزيمة والفشل وسوى ذلك من الأحوال التي لا تُسرُّ أحدًا، واستخدام الإمام (ع) لفظة (صُرِعَ) بصيغ المبني للمجهول يوحي بالمباغتة، فكأن الأقدار أو النتائج كانت تتربص به، فانقَضَّت عليه وطرحته أرضاً لأنه لم يكن مستعداً للمواجهة.

وهذا تحذير بالغ من الغفلة عمّا يجب الاهتمام به، ودعوة إلى اليَقَظَة الدائمة والاستعداد المتواصل، فإن مَن يُهمل ما ينبغي أن يهتَم به، يُصرَع في النهاية بسبب ما أهمله هو نفسه.
 
ولا عجَب من الربط بين قلة المبالاة والصَّرع والخسران، فمن المعلوم أن القانون السببي يفيد أن الإهمال يجلب السقوط، لأن قلة الاهتمام تعني: التساهل فيما يجب فعله، والغفلة عن تقدير المخاطر المحتملة، وتجاهل النتائج، وانعدام الانضباط، والنتيجة الطبيعية لما سبق هو الوقوع في أخطاء قاتلة تصرَع صاحبها في النهاية.
 
الذي لا يُبالي بأموره، يشبه من يسير مغمض العينين على طريق وعِرة، ومن يكُ كذلك فمن المؤكَّد أن يتعثر في سيره، ناهيك عن أن الغفلة تقدم للعدو فرصة ينتظرها بفارغ الصبر، ومعظم الإنجازات في الحروب والصراعات تأتي من قلة مبالاة الشخص أو الجماعة بالعدو وإهمال أمره والغفلة عمّا يمكره ويُعِدّه، وهذا ما نّبَّه إليه القرآن الكريم بقوله: ...وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً ... ﴿النساء:102﴾
 
وقوله تعالى: يَا أَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذۡرَكُمۡ...﴿النساء:71﴾.
 
والذي لا يبالي بأموره ويهملها يفقد القدرة على تقييم وضعه، وفهم واقعه، فقد يحسب أن أموره منتظمة وليست كذلك، وقد يتوهَّم أنه قوي في قبال أعدائه وهو ضعيف، وقد يتوَّهم أنه قادر على خوض الصِّعاب، والحال أنه عاجز عن ذلك.
 
الذي لا يبالي بأموره، تضعف لديه مَلَكة الحَذَر والاحتياط، مِمّا يَخُلُّ بتوازنه الذهني والسلوكي، فيتهوَّر في أموره، ويتخذ قرارات متسرعة أو متعارضة، تُفقِده احترام الآخرين وثقتهم، وتجعله عرضة للاستغلال والفشل الاجتماعي. 
 
والإهمال وقلة المبالاة هما سبب كل انهيار، انهيار الإيمان إذا كان المرء لا يبالي بالتزامه الديني، وانهيار الأخلاق، إذا كان لا يبالي بالتزامه الأخلاقي، وانهياره اقتصاديًا إذا كان لا يبالي بوضعه الاقتصادي، أو يُبَذِّر أو يُسرِف في إنفاقه، وهكذا في بقية الصُّعُد.
 
فمن الضروري لمن يريد أن يتجنَّب الخسران والسقوط أن يهتَّم بأموره، لا يغفل عنها أبدًا، وأن يكون دائم اليقظة، والحذر، مراقباً نفسه، وأفعاله، وحالاته النفسية والمعنوية، ويدقق في مواقفه، ويحرص على كشف مواطن الغفلة وأسبابها، والثغرات التي يمكن أن تؤدي به إلى السقوط.


captcha