بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
رُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: *"مَنْ رَغِبَ فيما عِنْـدَ اللّهِ أَخْلَصَ عَمَلَهُ".
أن تكون لنا منزلة رفيعة عند الله فتلك غاية آمالنا ومنتهى رجائنا، وأن نكون من المقربين لديه فذلك أقصى ما نطمح إليه، والأمر سهل يسير، ولولا أنه سهل ما حَثَّنا الله عليه، لأنه يصبح تكليفًا بالمعسور، وذلك قبيح، والله تعالى لا يكون منه ذلك أبدًا.
شرط سُهولته أن يُخلِص الإنسان في عمله، أيًّا يكن هذا العمل، سواء كان دنيويًا أو أخرويًا، بأن يعمله امتثالًا لأمر الله، ولو كان طعامًا يأكله، أو شرابًا يشربه، أو لَذَّة يلتَذُّ بها، يفعل ذلك كله لله وحده، ويرجو به وجهه الكريم، وإذا ما رغِب في ثناء أو ثواب يطلبه من الله وحده لا من سواه.
إقرأ أيضاً:
لكنه في ذات الوقت صعب، صعب على من لم يُخلِص نيته، صعب على من يقدّم ما عند الناس على ما عند الله، يتطلَّع إلى ثناء الناس وحمدهم ورضاهم كما يتطلَّع إلى رضا الله تعالى، فمثل هذا يخسر رضا الناس، لأن إرضاءهم غير ممكن، ويخسر رضا الله لأنه أشرك معه الناس، والله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصا لوجهه الكريم.
من منظور الإسلام، الإنسان في حقيقته عمل، قيمته تنشأ من عمله، وتنشأ قيمة العمل من النِّيَّة، فما حسُنَت نيته كان عملًا حَسَنًا، وما ساءت نِيَّتُه كان عملًا سَيِّئًا، وحُسْنُ النِّيَّة ينشأ من الإخلاص فيها، والإخلاص هو تخليص العمل من كل شائبة لا يراد بها وجه الله، هو ذلك الرابط المعنوي الذي يشد العامل إلى الله دون سواه، وتلك النافذة التي لا تطل إلا على السماء دون الأرض وما فيها، هو تلك الروح التي يحيا بها العمل، فالإسلام يهتَمُّ بالدافع الذي يدفع للعمل كما يهتم بالعمل نفسه، ويحرص على أن يكون الاثنان لا شائبة فيهما، الدافع (النية) صافيًا من كل شائبة، والعمل مُتَقَنًا تامًا.
ومن هنا من ظفر بالإخلاص فاز في كل شيء، ومن خسره خسر كل شيء، من كان عمله خالصًا لله آتاه الله كل ما يطمح إليه، بل فوق ما يطمح إليه، يكفي أن يرضى عنه، ويُرضي الناس عنه، فالله هو المتصرِّف في القلوب، يصرفها عمَّن لا يريد إلى من يريد، قال تعالى: *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَٰنُ وُدًّا ﴿مريم: 96﴾*. وقال تعالى: *...وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي...﴿طه:39﴾.
ولهذا كان الإخلاص هو التحدِّي الأكبر، والدرجة القُصوى التي لا يبلغها إلا من أيقن بأمرين اثنين:
أيقن بأن الوجود كله في قبضة الله، والمتصرف به جميعًا هو الله، وأيقن أن الله هو الذي يعطي ويمنع، ويبسط ويقبض، ويرفع ويخفض، وكما قال تعالى: *قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴿آل عمران:26﴾.
وأيقن بأن الناس لا يضرون ولا ينفعون، ولا يملِكون من أمورهم شيئًا، ولا يشاؤون إلا أن يشاء الله، فهم عاجزون حتى عن أن يحبوا أو يبغضوا.
وبهذا يصرِف الإنسان دوافعه عنهم إلى الله تعالى، فيتطلَّع إليه وحده، ويرجو ما لديه، وتصير رغبته فيما عند الله تعالى لأنه لا شريك له في شيء، ولأنه القادر على تحقيق الرغبات.
ولا شك في أن التوجُّه الخالص إلى الله تعالى يحرِّر الإنسان من ضغط الحاجة إلى الناس وثنائهم والمنزلة عندهم، أقول ضغط الحاجة إليهم لأنها تلازمه مدى، فلو أثنى على فِعْلِه تِسع وتسعون بالمئة منهم، وبقي واحد لم يُثنِ عليه، انشغل فكره بهذا الواحد ونسي الباقين، مِمّا يجعله في لهاث دائم خلف مدح الناس وثنائهم، يعمل العمل ويراقب وجوههم ليرى ردود أفعالهم، بخلاف المُخلص في عمله فإنه في راحة ما بعدها راحة، لأن هدفه واحد، وهو إرضاء الله تعالى، ورضا الله مقدور عليه بالإخلاص له، وفضلًا عن هذه الطمأنينة، فإن الإخلاص يجعل ظاهر الإنسان كباطنه، لأن الذي يرجوه بأعماله وينتظر رضاه وهو الله لا يغيب عنه طرفة عين أبدًا، ولا يَلِتْه من أعماله شيئًا.