
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية "السيد بلال الوهبي"رُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ تَجَرَّبَ يَزْدَدْ حَزْماً"
لا أُغالي إن قلت: إنَّ الانسان صنيعة تجاربه، كل تجربة يخوضها تضيف إليه وعيًا ومعرفةً وفهمًا، أو قيمة من القيم، أو تنبهه إلى فائدة أو إلى خطأ، التجربة تحوِّل الإنسان من شخصٍ غِرٍّ لم يجرِّب الأمور في حداثة سِنِّه إلى شخصية صلبة قادرة على مواجهة أمواج الحياة وأزماتها وتعقيداتها.
إقرأ أيضاً:
الإنسان يولد صفحة بيضاء، كما يقول تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿النحل:78﴾ فيبدأ بالتعلم شيئًا فشيئًا، من معلومات نظرية وأخرى تجريبية، أي ما يكتسبه من تجاربه، ومعلوم أن المعلومات النظرية مهما بلغت قوتها لا يمكنها أن تسدَّ مسدَّ التجربة، لأن الممارسة هي معرفة حقيقية واقعية، والاحتكاك بالواقع معرفة ملموسة يعيشها الإنسان ويتفاعل معها بأحاسيسه ومشاعره، فهناك فرق كبير بين أن يقرأ الإنسان عن السباحة، وبين أن يلقي بنفسه في البحر، وبين أن يقرأ الإنسان عن الشجاعة وبين أن ينزل إلى ميدان المعركة، فالأول يمتلك خيالاً، والثاني يمتلك تجربة، والتجربة تعلمه مهارة، بل مهارات، وجميع ذلك يعلمه الحزم.
والتجربة تكشف للإنسان قواه الكامنة، كما تكشف له نقاط ضعفه، وبالتجربة يفهم الإنسان قوانين الكون، وسنن الوجود، ومعادلات الحياة، وقواعد العلاقات الإنسانية، وبها يفهم الناس على حقيقتهم، فيعرف كيف يتعامل معهم ومع الحياة بحزم ووعي وبصيرة.
وتتضح لنا أهمية التجربة في صياغة شخصية الإنسان، وتنمية مواهبه ومعارفه، حين نفهم أن "الحزم" يعني ضبط الأمر وإحكامه، والقدرة على اتخاذ القرار الصائب في الوقت المناسب بعد تفكَّر وتدبُّر في العواقب، فالذي يقتحم غمار التجارب يكتسب ملكة ذهنية ونفسية تجعله حازمًا، لا يقع فريسة التردد لأنه خبر النتائج وقد رآها مُسبقًا، وتجعله أكثر وعيًا وبصيرةً، لأنّه تعلَّم التمييز بين الصحيح والخاطئ، وبين الحق والباطل، وبين الأمين والخائن، وبين الصادق والكاذب، وتجعله أكثر ثباتًا وصمودًا أمام الأزمات لأنها لم تعد تفاجئه، بعد أن عركته وصقلته، وعرَّفته أن لها نهايات فينتظر تلك النهايات، وأن لها مخارج وحلولًا، فيعمل على استنباط تلك الحلول، بدل أن ينتظرها من الآخرين، ويصبح قادرًا على قيادة نفسه بدل أن يقوده غيره، وقادرًا على استشراف المستقبل والاستعداد لما سيكون، بل تزداد لديه فرصة الإلهام، (الحدس) وجميع ذلك يعزِّز ثقته بنفسه، والثقة بالنفس واحد من أهم العوامل التي تساعد الإنسان على حزم أمره واتخاذ القرارات الملائمة.
وما أود الإشارة إليه أن ليس كل من جَرّب صار حازمًا، لأن التجربة وحدها لا تكفي إذا لم يتعلَّم المَرء منها، فما أكثر الذين لا يتعلمون من تجاربهم، لذلك أرى أن كلام الإمام أمير المؤمنين (ع) يتضمن التجارب الواعية، أي التجارب التي يتعلّم منها الإنسان، فهي التي تجعله حازمًا بلا شك.