
تربط هذه الجوهرة العلوية الكريمة، بين الثقة بالله تعالى وبين الغِنى، والمراد من الغنى هنا، الغِنى النفسي والمعنوي، وامتلاء النفس بالثقة، والقوة، والشجاعة، وما يستلزم ذلك من طمأنينة وسكينة، وشعور دائم بالرضا، الرضا بما يختاره الله تعالى، يقينًا من العبد أن الله لا يختار له إلا الخير، والرِّضا أسمى مراتب الغِنى، كما جاء في الحديث عن رسول الله (ص): "لَيْسَ الغِنَى عْن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولَكِنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ".
إقرأ أيضاً:
كما يعني الغِنى عن الناس، وذلك أن من يثق بأن رزقه وحياته وموته بيد الله وحده، وأنه لا مُؤَثِّر في الوجود غير الله، يتحرِّر من ذُلِّ الحاجة للناس، بل لكل ما سوى الله تعالى، فلا يضطر أن يتملق لهذا أو ذاك، أو يخضع لهذا أو ذاك، أو يَهين بين يدي من يعتقد أن بيده ما يحتاج إليه، الواثق بالله يشعر بأن له ظهراً وسنداً لا يُهزم، فهو الله القادر على كل شيء، والمالك لكل شيء، وبيده أسباب كل شيء، وهذا الشعور يغنيه عن البحث عن الأمان في الأسباب المادية الفانية.
والثقة بالله اعتقاد يقيني يرتكز على معرفةٍ بالله، وإيمانٍ بحكمته، واطمئنانٍ إلى أنّ تدبيره للإنسان أرحم من تدبير الإنسان لنفسه، وهذا اليقين يشكِّل نظرة الإنسان إلى ما يواجهه من أحداث ومصاعب وأزمات وتحديات.
والثقة بالله تعني أن يبذل الإنسان ما يمكنه من جهد، وينهض إلى أداء تكليفه، ثم يترك النتائج لله، فالعمل من مسؤوليته، وأمّا التوفيق والنتيجة فعلى الله تعالى، قال سبحانه: فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ ﴿الرعد:40﴾.
والثقة بالله أن يُحسِن الظنَّ بالله، موقِنًا أن الله لا يخذل عبده ولو تأخَّر الفرج، أو جاء بكيفية لم يتوقعها، أو من طريق لم يفكر فيه، فكما يقدر الله لعبده ما هو أصلح له، كذلك يختار له الطريق والوسيلة الأصلح لذلك.
ومِمَّا لا شك فيه أن الثقة بالله تعالى وحُسن الظَّنِّ به من أهم أركان الإيمان، فلقد وعد الله تعالى -ومن أوفى بوعده من الله- صريحًا وبعشرات من آيات كتابه الكريم بأنه يكفي من يحتسب أمره إليه ويتوكل عليه، من ذلك قوله تعالى: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴿2﴾ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴿الطلاق:3﴾.
وجاء في الحديث عن رسول الله (ص) أنه قال: "والذي لا إلهَ إلّا هُو، لا يَحسُنُ ظَنُّ عبدٍ مُؤمِنٍ بِاللَّهِ إلّا كانَ اللَّهُ عندَ ظَنِّ عَبدِهِ المؤمِنِ؛ لأنَّ اللَّهَ كَريمٌ بِيَدِهِ الخَيراتُ، يَستَحيِي أن يكونَ عَبدُهُ المؤمِنُ قد أحسَنَ بهِ الظَّنَّ ثُمّ يُخلِفُ ظَنَّهُ ورَجاهُ، فَأحسِنُوا بِاللَّهِ الظَّنَّ وارغَبُوا إلَيهِ".
وتنشأ الثقة بالله تعالى من معرفة العبد به، وكلما زادت معرفته به زادت ثقته، فإذا عرف العبد أن الله تعالى خالق الأسباب والمسببات، وأنه قادر على كل شيء، ولا يُعجِزه شيء، وأنه تعالى رحيم بخلقه، لطيف بعباده، يعلم حالهم، ولا يغيب عنه شيء من أمورهم، وأنه حكيم رؤوف، لا يقدِّر عليهم إلا ما هو خير لهم. ومن يستقرئ تاريخ الأنبياء والصالحين والمؤمنين، بل من يراجع تاريخه هو، والمآزق والصعوبات التي عبرها وخرج منها من حيث لم يحتسب، يدرك بلا شك كيف أن الله تعالى هو الذي هيّأ الأسباب، وجعل من كل ضيق مخرجًا.
إن الذي يثق بالله يبقى مطمئنًا وهو في خِضَمِّ الأزمات، وصلبًا في مواجهة التحديات، لا ينهار، ولا يتراجع، ولا ييأس، وإن كان يتألَّم، ويرضى بما يختاره الله له، ولسانه يردد دائماً ما جاء في دعاء الافتتاح الشريف: "وَلَعَلَّ الذي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الأُمُور".
والواثق بالله تعالى لا يخاف مِمّا سيكون، ولا يقلق على المستقبل، فهو مطمئن ولو كانت الظروف صعبة، والأحوال متعسِّرة لأنه يدرك أنه ليس وحده، بل الله تعالى وجنوده معه، الله سينجده، ويهديه، وينصره.
وعليه: فالثقة بالله هي قناعة يعيشها الإنسان، ويقين بأن يكون مع الله كما يريد، ليكون الله معه كما يرجو، وعندها فقط يلمس معنى الغنى، غنى الطمأنينة، وغنى الأمل، وغنى اليقين، وغنى النفس التي لا تهتزّ مهما اضطربت الدنيا حولها.
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي