
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي
رُوِيَ عن
الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "مَنْ جَهِلَ وُجُوهَ الآراءِ أَعْيَتْهُ الْحِيَلُ".
من لم يطَّلع على وجهات نظر الآخرين، أو لم يشاركهم في عقولهم، فوقف عند رأيه، أو عند رأي سمعه من واحد، ولم يطّلع على ما سواه من احتمالات وتفسيرات وطرق للفهم، أو لم ينظر إلى الأمر من زوايا مختلفة، ضاق فهمه، وانعدمت حيلته، وعجز عن إيجاد الحَلِّ أو الجواب المطلوب، وبقي في مأزقه لا يعرف منه مخرجًا، لأنه لا يملك بدائل يخرج بها من المأزق.
إن العقل البشري العام مهما أوتيَ من قوة يبقى عاجزًا عن حل كل المشاكل، أو الإجابة على كل الأسئلة، إما بشكل مُطلق، أو أن يحتاج إلى وقت طويل ليستفيد من التطوَّر والتقدم العلمي والمعرفي، فكيف بالعقل الخاص، وأعني به عقل الفرد، فإنه مهما أوتي من قوة يبقى عاجزًا عن الإحاطة بالأمور، وقاصرًا عن فهمها دون الاستعانة بالآخرين، فإذا أخذنا موضوع التخصص العلمي بعين الاعتبار اتضح العجز أكثر، فلا بد والحال هذه من مراجعة المختصين، ومعرفة الآراء المختلفة، والاستعانة بالخبراء لتقييم تلك الآراء، واختيار الأصلح منها.
العقل الفردي مهما قوي يستمد قوّته من معرفته بوجوه الآراء، واختلافات وجهات النظر، عند ذلك تتكاثر أمامه المخارج، وتنكشف له مسالك لم يكن ليُبصرها لو بقي أسير رأي واحد، فالقائد الذي يتخذ قراراته بنفسه من غير استشارة الخبراء والمتخصِّصين، لا بد أن يتخبَّط في قيادته، ولا بد أن يضيق أفقه، وتقِلّ خياراته، والباحث الذي يقرأ مصدراً واحداً، ويكتفي بفكرة جاهزة، يُصاب بجمود معرفي يمنعه من الإبداع، أما الباحث الذي يعرف وجوه الآراء فيستطيع أن يوازن، ويحلِّل، ويستخرج أكثر من رؤية للمسألة.
إن الحكمة التي يذكرها الإمام أمير المؤمنين (ع) تمثل دعوة للإنسان أن يكون رحب الأفق، واسع النظر، مستوعباً للآراء المختلفة، يبحث عنها كمن يبحث عن كنز مخفي، بل يطلب من الآخرين إظهارها، كي يكوِّن قدرة كبيرة في النظر في الأمور وفهمها، وفهم بواطنها كما يفهم ظاهرها، مما يعطيه القدرة على اجتراح الحلول، وإيجاد الأجوبة الدقيقة، والمخارج الملائمة، فالحِكْمَة ضالَّة المؤمن، والذي يُحسن التفكير المتعدِّد الأبعاد هو الأقدر على التصرف الرشيد.
ولقد أكَّد القرآن الكريم على ما سبق، وهو الذي أنزله الله على قلب رسوله الأكرم (ص) ليصنع الإنسان، ويُعلّمه كيف يفكّر قبل الفعل، وكيف يشارك الآخرين تفكيرهم، ويضم آراءهم إلى رأيه، وكيف يرى بعيونهم ومن زاويتهم، قال سبحانه: وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ﴿آل عمران:159﴾.
وذكر الله تعالى الشورى والتشاور كواحدة من أهم صفات المجتمع المؤمن فقال: وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ ﴿الشورى:38﴾.
وقال سبحانه: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ﴿الزمر:18﴾ ومِمّا لا شك فيه أن اتباع أحسن القول لا يمكن إلا بعد معرفة وجوه الأقوال وتمييز بعضها عن بعض.
فاحرص قارئي الكريم على أن تستمع لمختلف الآراء، وأن تسأل ولا تخجل أن تسأل عمّا لا معرفة لك فيه، وأن تقلِّب الأمور ظهرًا وبَطنًا، فتلاحظها من زوايا مختلفة من خلال استشارتك الخبراء والمتخصصين، واعمل بالمبدأ القرآني الكريم: "يَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ" فإن الذي يجهل وجوه الآراء كالإنسان الذي يرى بعين واحدة، ويسير بقدم واحدة، أو يظن أن الطريق الذي يسلكه هو الوحيد الممكن، وأن الحَلّ الذي فكر فيه هو المتاح ولا حلَّ سواه، فتعييه الحِيَل، ويفقد القدرة على المناورة، فيضيِّع الكثير من الفرص، ويستسلم للظروف، ويكون مصيره الإخفاق والفشل.