
من طلب الهداية والسداد من خلال العلم النافع، فإن الله سيوفقه ويهديه إلى الطريق المستقيم، ويرشده إلى الحق في أموره كلها.
تلك هي الحتمية التي يكشف عنها الإمام أمير المؤمنين (ع) إن العلم يرشد الإنسان، يهديه إلى الصواب والحق، ويسلك به مسالك الآمنين، فيجعل كل خطوة من خطواته، وكل قرارٍ من قراراته حكيمًا راشدًا، ويسمو به في مراقي الإنسانية الكاملة، ولهذا السبب أعطى الدين العلم قيمة كبرى، بل جعلها من أعلى القيم، فمدح العلم والعلماء، وذمَّ الجهل والجاهلين، وكشف عن البَون الشاسع بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون، فقال: يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴿المجادلة:11﴾.
وقال سبحانه: قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴿الزُّمُر:9﴾.
الاسترشاد هو طلب الرشد والهداية. والإنسان عندما يلجأ إلى العلم، فإنه يلجأ إلى ركن وثيق، إلى قوة هادية لا تضِل به ولا تنحرف، وإلى ناصح أمين، والنور الذي ينير طريقه نحو الحقيقة حيثما تكون، الحقيقة التي تخدم الإنسان، وتصوّب مسيرته، وتجعله يرى ما لم يكن يراه.
ومِمَّا لا جدال فيه، أن العلم الذي يسترشد به الإنسان ليس محصوراً في العلوم الدينية أو العقلية فقط، بل يشمل كل معرفة صحيحة تنبع من منابع صحيحة، وتأتي من مصادر موثوقة.
فالعالم الديني لا يمكنه أن يُقَدِّم دين الله على حقيقته، وكما يريده الله تعالى، إلا إذا اعتمد أصول فهم الدين، واستند إلى منهج علمي دقيق، يبتغي الكشف عن الحقيقة التي لا تتأثَّر بالأهواء والآراء الشخصية والمُسبَّقات الفكرية، فمن سلك هذا المسلك من المؤكَّد أن يبلغ الحقيقة، ويرتشف من معينها.
والباحث العلمي لا يمكنه أن يتقدَّم خطوة في إن لم يستند إلى منهج علمي صارم، وتجارب علمية دقيقة، وأدوات نقد واضحة، فإذا سلك هذا الطريق قاده العلم إلى اكتشاف الجديد الذي يغيِّر حياة البشر كلهم.
وما يصدق على الفرد يصدق على الجماعات والأمم، فالأمة التي تعتمد العلم طريقًا إلى التقدُّم والتطوُّر، وتبني سياساتها على الدراسات العلمية الجادة، لا على الارتجال والانطباعات الشخصية لهذا المسؤول أو ذاك، فمن المؤكَّد أن تزدهر وتتقدَّم، وتصبح مثالًا يحتذى.
الأمر الذي ينبغي أن أثير انتباه قارئي الكريم إليه: أن العلم وإن كانت قيمته ذاتية، لكنه ليس مجرد جمع للمعلومات، المعلومات المخزونة في الذاكرة لا تكفي، بل قد لا تكون ذات قيمة، قيمتها أن يسترشد بها الإنسان، أن تهدي الإنسان، وأن تطور حياته، وتُنَمِّي فضائله وتزكِّي نفسه، ليكون شخصًا راشدًا، ومجتمعًا راشدًا، فرُبَّ علم أدّى إلى جهل وضلال وانحراف، ورُبَّ علم جاء بالسَّفه والطيش، وهذا ما تشهد له التجربة الإنسانية المعاصرة.
الأمر الثاني الذي أود أن ألفت النظر إليه أن العلم لا يُرشِد المتعصِّبَ المستبد برأيه وقناعاته، العلم يرشد الذي يسترشده، ويهدي الذي يطلب هدايته، ففرق بين شخص يستغل العلم لتأييد وجهة نظره المسبقة، وشخص يسترشد العلم ليبلغ به الحقيقة ولو كانت تخالف توجهاته.
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي