ایکنا

IQNA

أعراب الأمة وهجر القرآن الكريم

15:01 - November 04, 2025
رمز الخبر: 3502294
بيروت ـ إکنا: كم هو كثير عدد الذين يحملون الأسفار ولا يدرون ما فيها، فيكتفون بحملها، جاهلين بما تتضمنه من سنن وأمثال وفرائض وأحكام! وقد مثّل القرآن الكريم لحالة هؤلاء بأنهم كالحمار الذي يحمل أسفاراً، وكالكلب الذي إن تحمل عليه يلهث، وإن تتركه يلهث.

كما قال الله تعالى في القرآن الكريم:" مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها، كمثل الحمار يحمل أسفارًا..."، وقال تعالى: "فمثَلُهُ كمَثَل الكلب إن تحملْ عليه يلهث، أو تتركه يلهث، ذلك مثل الذين كذبوا بآياتنا...". فالقرآن يأتي بهذا التشبيه التمثيلي، لا ليمدح الإنسان، أو يذمه، وإنما يأتي به لتظهير حالات معينة يعيشها من لا يكترث لأمر الله ونهيه، ولا يعتبر بآيات ربه، فإذا كان من طبيعة الحمار أن يحمل الأسفار، فليس من طبيعة الإنسان ذلك، لكون كل منهما مخلوق للقيام بما يلائمه من وظيفة مثل سائر المخلوقات التي خلقها الله تعالى، فهي معدّة ومهيئة لأن تؤدي وظيفتها، سواء بالتسخير، أو بالاختيار، والكل ميّسر لما خلق له. 

ومن هذا الباب يأتي المثال القرآني ليبيّن حقيقة ما يكون عليه بعض الناس من جهل وتمرّد على حقائق التكوين والتشريع! فالذين حمِّلوا التوراة ولم يعملوا بها، مثلهم مثل الذين حمِّلوا القرآن ولم يعملوا به، وما أكثر الأعراب في الأمم التي هجرت تعاليم السماء، لتكتفي بحمل الأسفار دون القيام بالحق الإلهي في الأرض، ولو نظرنا جيدًا في ما كانت عليه الأمم المتديّنة في تاريخها القريب والبعيد، لوجدنا هذه الأمم قد اكتفت بحمل الأسفار على خلاف ما خلقت لأجله، وأعدّت له، إذ هي مخصوصة بخطاب الأمر والنهي، ومأخوذة بالحساب والثواب والعقاب، دون أن يكون للحمار شيء من ذلك، ولهذا قال تعالى: "بئس مثل القوم الذين كذبوا بآيات الله والله لا يهدي القوم الظالمين"، للتدليل على حقيقة الموقف اتجاه الذين لم يقوموا بما حمِّلوا، وكذّبوا بالآيات، وقد قال تعالى:" قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول، فإن تولوا، فإنما عليه ما حمّل وعليكم ما حُمِّلتم، وإن تطيعوه تهتدوا، وما على الرسول إلا البلاغ المبين".( النور، ٥٤).



وهكذا، فإن ما يسوقه القرآن من تشبيه وتمثيل، إنما هدفه تبيان حقيقة ما ينبغي أن يكون عليه الإنسان باختياره، فلا يكون مجرد حمار بشري يلهو عما أريد به في خلقه،وتكوينه، وتكليفه! فالحمار، أو الكلب لا يذم على ما هو عليه في أصل خلقته، ولكن هل من أصل خلقة الإنسان أن يكون كالدواب التي لا تتخلّف عما أعدّت له!؟


إقرأ أيضاً:


فالإنسان مخلوق متميّز في الخلق والتكوين، وقد كلّف بما يستطيع حمله، لا أن يكتفي بحمل الأسفار، ويمتنع عن إعمال عقله،ويكون كالدواب التي لا تسمع ولا تعقل، فهذا الإنسان هو الذي يقول غدًا، لو كنا نسمع، أو نعقل، ما كنا في أصحاب السعير، وليس للدواب شيء من ذلك، ذلكم هو معنى التشبيه التمثيلي، سواء بالحمار أو بالكلب، وكما قلنا:كم هو كثير عدد هؤلاء في عالمنا اليوم، فأكثرهم يحمل الأسفار، سواء كانوا من أهل الإيمان، أو كانوا متمردين على الله ورسوله، ويبقى المعيار في التمييز بين البشر، هو مقدار ما يحمله الناس، ويعملون به من شرائع وأحكام.

كما قال تعالى:" قل يا أهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليكم من ربكم..." ، والإقامة هنا تعني القيام بالحق، والاستقامة عليه، فالقيام على الشيء، هو حفظه ورعايته، بحيث يكون الناس عند أمر الله تعالى، فلا يتخلفون عنه، وإلا أصابتهم المحن والبلايا، كما قال تعالى:"وليحذر الذين يخالفون عن أمره، أن تصيبهم فتنةٌ، أو عذابٌ أليم...". إن معنى أن نحمل الأسفار، ونعمل بما تأمر به وتنهى عنه، هو هذا، أن نقوم بالتكاليف، ونلتزم بتأدية حقوق الله تعالى والناس، لا أن نكّذب بآيات الله تعالى، أو نكفر بها، كما يفعل كثير من أهل الملل والنحل!، فكل حزب بما لديهم فرحون، غير عابئين بما كلِّفوا به من ربهم، إلا أن يكون هذا التكليف خادمًا لهم في طلب الدنيا، كما قال الإمام علي(ع):"إن هذا الدين من قبلي كان يُعمل فيه بالهوى وتطلب به الدينا". 

وانطلاقًا من ذلك، نرى أن التمثيل القرآني لاحظ لحقيقة أهل الأديان الذين حملوا شعارات القداسة، لمجرد أنها تخدمهم في طلب الدنيا، وتمكنهم من حكم الناس والتسلط عليهم! ولو أن أهل التوراة والإنجيل والقرآنكانوا يحملون الأسفار على وجهها، ويقومون بحقها، لما مثّل لهم بالحمار وغيره، ولكن الله تعالى خبير بخلقه، وعالم بما توسوس به الصدور، فجاء التمثيل، ليعطي هذه الدِلالة، ويفيد بأن حمل الأسفار الدينية تحت عناوين كاذبة، ومحرّفة عن حقيقتها، لن يُجدي نفعًا، وللأسف، فإن الكثير من الناس استمروا على هذا الحمل المقدس دون العمل بحقيقته، بل للشرذمة، والتقسيم، وإحداث الفتن، وهذا ما أدى إلى أن يكون الناس على شر دين، وفي شر دار! فكل المخلوقات تؤدي دورها وتحمل أسفارها إلى غايتها، إلا أهل ما يُسمى بالأديان، فهم اختاروا حمل التكاذب، والتحريف، والقول على الله تعالى بغير علم، وهذه هي مفاخر الشياطين، أنها تدعو إلى المعاصي، وحمل الدين كذبًا وزورًا، ويوم القيامة تدرك أعراب الأمم، كم كان الحمار مظلومًا بالتمثيل دون أن يلحق به أدنى مهانة، أو تهوين!

بقلم أ. د فرح موسى؛ رئيس المركز الإسلامي للبحوث والدراسات القرآنية في لبنان

captcha