
جوهرة علوية كريمة تفتح لنا نافذة على مهارة مهمة وضرورية في مواجهة ما يصيبنا في الحياة من مِحَنٍ، وأمراض، وأزمات، وتحديات، وخسارات في الأنفس والأموال والأولاد، وجميع ذلك جزء لا يتجزّأ من طبيعة الحياة، كما قال تعالى: "وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (البقرة: 155).
وقال سبحانه: أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ ﴿2﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴿العنكبوت: 3﴾.
وتوضِح لنا هذه الجوهرة الكريمة أن المصيبة لا تُعَدُّ كبيرة ولا صغيرة بطبيعتها، وإنما تكبر أو تصغُر بسبب تعامل الإنسان معها، فهو إن عَظَّمها عظُمَت وكبُرَت وصعُب الثبات أمامها أو تخطيها، وهو إن هوَّنها هانت وإن صغَّرها صغُرَت، وسَهُل عليه تخطيها. ولا يكون ذلك إلا بامتلاك مهارة الصبر، هذه الفضيلة الأخلاقية العظيمة، والمهارة التي يحتاج إليها جميع الناس، لضرورتها لكل إنسانٍ، بل لكل كائن حَيٍّ.
الصبر، قارئي الكريم، ليس مجرد فضيلة أخلاقية وحسب، بل هو مهارة للبقاء، والنجاح، وضرورة حياتية نحتاجها في كل لحظة، وليس فقط عند وقوع المصائب. كل شيء نريده نحتاج معه إلى الصبر، نريد أن نكتسب علمًا، أو نتقن مهارة، أو نزرع زرعًا، أو نبني منزلًا، أو نصنع شيئًا، أو نحقق هدفاً، فلا بد أن نصبر ليتحقق لنا ذلك.
الصبر هو ثبات القلب أمام العاصفة، وانتظار أن تهدأ، مع اليقين أنها ستهدأ مهما طالت، وأنها كلَّما زادت عُنفًا دلَّ ذلك على اقتراب انتهائها، الصبر تمسّك بالأمل حين تضطرب المشاعر، واستحضار لليقين بأن ما بعد العُسر يُسرٌ، وما بعد الشدّة انفراجٌ، وما بعد الضيق سَعَة، وأن الألم عابر، وأن القوة تولَد من رَحِم الشدائد، وأن ما يثقُلُ اليوم سيغدو أخفّ غداً.
بهذا المعنى، يصبح الصبر مهارة فُضلى لتهوين أثر المصيبة على النفس، والتقليل من ثقلها، فلا ينكسر الإنسان أمامها، ولا يطيش عقله فيمضي في حياته خبط عشواء لا يهتدي إلى طريق نجاته، بل يواجه ما ينزل به برباطة جأش، وصلابة نفسية، وعزم لا يلين، فلا ينهار، ولا يتراجع، ولا يستسلم.
ومما لا شكَّ فيه أن المصائب بطبيعتها ثقيلة ومؤلمة، ولكن الإمام أمير المؤمنين (ع) هنا لا يتحدث عن دفع المصيبة في الواقع الخارجي، ولا عن تقليل حجمها، لأنها قد وقعت بالفعل، وبالحجم الذي وقعت فيه، بل يتحدث عن تغيير تعاملنا معها، وعن استجابتنا النفسية لها. فإن هوِّناها هانت، وإنما تهون بالصبر عليها، وعدم الجزع كما قال الإمام الحسين (ع) في كربلاء وهو يتلقى سهام المصائب: "هَوَّنَ ما نَزَلَ بِي أَنَّهُ بِعَيْنِ اللهِ". أو نجزع ونهلع ونُعظِّمها، فتعظُم، وتثقل، ونضعف عن الثبات أمامها.
إذن الصبر لا يدفع المصيبة، لا يمنعها من الوقوع، ولا يزيلها بعد وقوعها، ولكنه يمنعها من أن تكسر الإنسان، فيراها أصغر مِمّا هي عليه في عين الجازع.
على أن علماء النفس يؤكّدون أن الصبر من أهم ركائز الصحة النفسية، وأنه المكوِّن الرئيسي للمرونة، وقدرة الفرد على العودة إلى حالته الطبيعية بعد الصدمات، وأنه يحمي العقل من الانهيار، ويبقيه قادرا على ابتداع الحلول، حيث إن الجزع الشديد يؤدي إلى ألّا يرى الإنسان سوى الكارثة تحيط به كمن يعيش في نفق، مما يقوده للاكتئاب أو اليأس.
بقلم الباحث اللبناني في الشؤون الدينية السيد بلال وهبي