ایکنا

IQNA

جواهر عَلَويَّة...

أعظم الأنس هو الأنس بالله تعالى

15:55 - September 02, 2023
رمز الخبر: 3492563
بيروت ـ إکنا: إن أعظم الأنس هو الأنس بالله تعالى لأنه أعظم وأغنى وأجَلُّ وأكَبر ما في الوجود، وهو مالك الملك كله، يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء، وكل ما سواه فقير إليه وهو الغني الحميد، ولولا فيضه وعطاؤه لما كان كون ولا كائنات ولا حياة.

ورُوِيَ عن الإمام علِيَّ (ع) أنه قال: "إذا رَأَيتَ اللّهَ سُبحانَهُ يُؤنِسُكَ بِذِكرِهِ فَقَد أحَبَّكَ؛ إذا رَأَيتَ اللّهَ يُؤنِسُكَ بِخَلقِهِ ويوحِشُكَ مِن ذِكرِهِ فَقَد أبغَضَكَ".

هذه معادلة يكشف اللثام عنها الإمام أمير المؤمنين (ع) تقوم على أن الأنس بذكر الله يكشف عن حب الله للذاكر، والوحشة من ذكره تكشف أن المعرض عن ذكر الله مسلوب التوفيق. 

إنَّ أُنْسَ الإنسان بشيء من الأشياء يعني بلوغه غاية الراحة والسعادة معه، وذلك لا يكون إلا عندما يعطيه الشيء المأنوس به كل ما ترجوه النفس وترغب به، فكلما وجدت النفس شيئاً يعطيها أنسها وطمأنينتها لجأت إليه، وارتاحت للخلوة به، وتخَلَّت عن غيره.
 
تارة يأنس المرء بجلسة تحت شجرة وارفة الظلال يانعة الثمار، تشَنِّفُ سَمعَه تغاريد الأطيار، ويسرح بنظره إلى روابي خضراء يخترقها غدير ماء رقراق، إن أُنْسَه بهذا المكان نتج عن حصوله على سكينة يحتاجها، وقد وفرها له هذا المشهد الخَلَّاب.

وأخرى يأنس المَرء بمثله من الناس، يأنس بحديثه، أو علمه، أو دماثة أخلاقه، أو إيمانه وتقواه، وسبب أُنْسِه ما نالته نفسه من حاجاتها المعنوية والروحية، هنا يكون الإنس أعلى قيمة وأكثر أهمية لدى الإنسان من الأنس في المثال المتقدم لأنه أنس للعقل كما أنه أنس للنفس، أنس بمن يماثله في الأحاسيس والمشاعر، لكنه يبقى محدودا بسبب محدودية الإنسان.

إن أعظم الأنس هو الأنس بالله تعالى لأنه أعظم وأغنى وأجَلُّ وأكَبر ما في الوجود، وهو مالك الملك كله، يُعِزُّ من يشاء ويُذِلُّ من يشاء، وكل ما سواه فقير إليه وهو الغني الحميد، ولولا فيضه وعطاؤه لما كان كون ولا كائنات ولا حياة.

إن الإنسان ذو بعدين اثنين: بعد مادي، وبعدن روحي، وكلاهما يحتاجان إلى ما يُغَذِّيهما ويُشبع حاجاتهما، ولا بد وأن يتوافق هذا الإشباع مع طبيعتهما، فالبدن المادي يتم إشباع حاجاته من خلال الماديات من طعام وشراب ونحوهما، والروح وهي أمر مجرد عن المادة يتم إشباعها بما يتوافق وطبيعتها المجردة عن المادة، ولَمّا كانت الروح من العالم العلوي وقد نُفِخَت في بدن الإنسان فيجب أن تستمد حاجاتها من خلال الاتصال بالله تعالى، فإن لم ترتبط بالله ستبقى قلقة متوترة ضجرة هائمة، وهذا معنى قوله تعالى: الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴿28/ الرعد﴾. 

إن أعلى درجات الاطمئنان النفسي، وأرقى مراقي الروح وأُنْسِها إنما يكون بالارتباط بالله تعالى والأنس به والكونِ بين يديه والسكون إليه، ويتم ذلك من خلال العبادة من صلاة وصيام وذكر ودعاء وابتهال ومناجاة، وإذا أَنِسَ العبد بالله تعالى حصل على كل مبتغاه من الطمأنينة، وانتهى إلى أسمى الغايات، وإذا تحقَّقَ له ذلك لهى عما سواه تعالى، فلا يخيفه شيء، ولا يجتذبه شيء، ولا يغريه شيء، لأنه بأنسه بالله تعالى حصل على كل شيء، إذ يكفيه الله كل شيء، ويكون حسبه ومعينه وناصره وأنيسه.

ولا يأنَس بالله إلا عبد أَحَبَّ الله فتقَرَّب إليه بما فرضه عليه، وأحَبَّه الله فجذبه إليه وأزال الحجب بينه وبينه. أما ذاك الذي لا يأنس بالله فسيأنس بغيره، مما هو زائل مثله، ومحدود مثله، وفقير مثله، وعاجز مثله، وذلك لا يُغَذِّيه الغذاء الروحي الحقيقي بل يكون غذاءً متوَهَّماً، فيعيش حياته خابطاً في عشواء، ويطلق العِنان لغرائزه وشهواته فتنهكه وتهلكه لأنها كلما نالت شيئاً طمحت إلى المزيد، ولا مزيد. فيضل يشعر بالحرمان، ويستبد به القلق والتوتر وعدم الرضا.

عندما نجد إنساناً لا يُصَلِّي ولا يصوم ولا يتطوَّع بالمُستَحَبِّ من السُّنَن ولا يقرأ كتاب الله ولا يدعو الله، فهذا دليل على أنه إنسان محروم من لذة الأنس بالله وإن كان ظاهر حياته يشي بسعادة لكنها زائفة ولذائذ عابرة، وسريعا ما يكتشف فقره الروحي الهائل.

بقلم الکاتب والباحث اللبناني في الدراسات القرآنية السيد بلال وهبي

تابعونا على شبكات التواصل الاجتماعي:

captcha